عبد القادر الحيمر

حملت تقارير صحافية ما يفيد بأن سوقي البترول والفوسفاط على المستوى العالمي سيعرفان تقلبات تتميز بارتفاع الطلب العالمي على الأسمدة بحوالي 50% وبارتفاع إنتاج البترول وبظهور دول منتجة جديدة، وإذا ما صحت هذه التوقعات فإن المغرب سيجد نفسه في وضع يؤهله لأن يحقق معدلات نمو جد مرتفعة إن هو عرف كيف يتأقلم مع الوضع الجديد.

بالنسبة للتطورات المرتقبة في السوق العالمية للفوسفاط  نقلت جريدة الرياض عن الدورة السنوية الرابعة لمؤتمر منتجي الأسمدة الخليجيين ما يفيد بأن الطلب العالمي على الأسمدة سيرتفع، واستنادا إلى تدخل شارلوت هيبيراند، المديرة العامة للاتحاد الدولي للأسمدة فإن توقع ارتفاع سكان العالم إلى 9,3 مليار نسمة في أفق سنة 2050 يتطلب نموا في إنتاج الأغذية بنسبة 50%، والحل لا يقتصر على زيادة المساحات المزروعة وإنما يقتضي أساسا الرفع من الإنتاجية مع تحسين جودة الأغذية وتفادي مشاكل ما أسمته ب "المجاعة الخفية" التي تجعل المليارات من الناس يستهلكون طعاما يفتقر إلى المواد الغذائية الأساسية،

إذا كانت المديرة العامة قد سجلت مميزات الإنتاج الخليجي وحددتها في الموقع الاستراتيجي القريب من أسواق التصدير كشرق آسيا والولايات المتحدة الأمريكية وذكرت بمعطيات سنة 2012 المتمثلة في استحواذ دول الخليج على حصة 30%  من الإنتاج العالمي من اليوريا  و16% من الأمونيا، فإن عبد الوهاب السعدون، أمين عام الاتحاد الخليجي للبتروكيماويات "جييكا" أوضح أن إنتاج الأسمدة في دول مجلس التعاون الخليجي سيرتفع ليصل سنة 2018 إلى 46,4 مليون طن وقدر قيمة الاستثمارات المبرمجة في مرحلة الإنشاء والتخطيط ب 10 مليار دولار. وتبعا لذلك فإن المنطقة التي تنتج حاليا 3,7 مليون طن من الأسمدة الفوسفاطية، أي ما يعادل 9% من اّلإنتاج العالمي، ستنتج 8,3 مليون طن سنة 2018 لترتفع حصتها إلى 24% من الإنتاج العالمي من الأسمدة الفوسفاطية.

التخوف الوحيد الذي نال اهتمام المشاركين في المؤتمر الخليجي تمثل في تباطؤ النمو بفعل وفرة المواد الأولية التي تتطلبها هذه الصناعة وخاصة منها ازدهار قطاع الغاز الصخري المعروف باسم "الشيست"، وهذا في حد ذاته يمثل تمهيدا لتناول موضوع البترول الذي يلعب دورا متميزا في الميزان التجاري للمغرب وفي تحديد خيارات القوانين المالية.

لن ننطلق من التوقعات التي تضع المغرب في مصاف الدول التي ستصبح من كبار منتجي البترول والغاز، فهذا الاحتمال، وإن كان واردا فإنه لا يجوز اعتماده كأرضية لأي تخطيط مستقبلي، ولكن على العكس من ذلك يمكن التركيز على التوجهات التي جعلت من المغرب دولة متميزة على الصعيد العالمي في مجال إنتاج الطاقة البديلة، وبالموازاة مع ذلك يمكن التمييز بين توجهين متناقضين، أحدهما يتوقع ارتفاع أسعار البترول والثاني يتوقع وفرته، فالتوقعات ليست بريئة لأنها كثيرا ما تستعمل في الإعداد لتحديد أسعار لا علاقة لها بقانون العرض والطلب.

الانطلاق من الواقع المغربي يحيلنا على النتائج المحققة من طرف المكتب الشريف للفوسفاط ومن طرف مصفاة لاسمير بالمحمدية فكلاهما سجل تراجع مبيعاته ولكن لا أحد منهما يستسلم للوضع.

لتراجع مبيعات الفوسفاط ارتباط كبير بالوضع الاقتصادي العالمي وبالتقلبات المناخية، ولكن مجرد الطلب العالمي الذي ورد في خطاب المديرة العامة للاتحاد الدولي للأسمدة يحمل ما يؤكد تزايد الطلب العالمي على الأسمدة المغربية، وهذا الطلب مرشح لأن يرتفع في الدول الإفريقية التي تعاني أكثر من غيرها من أفة الجوع والتي تعد في نفس الوقت بتحقيق معدلات نمو مرتفعة، وإذا ما تحقق احتمال تراجع أسعار البترول فإن كلفة الإنتاج ستتراجع وستؤمن تقوية القدرة التنافسية للفوسفاط المغربي في جل الأسواق العالمية.

أما بالنسبة لتراجع مبيعات شركة لاسمير فلا يمكن ربطه بتراجع الطلب العالمي على نفط دول "أوبك" بحوالي 670 ألف برميل في اليوم ليصل إلى حوالي 1,15 مليون برميل في اليوم، كما لا يمكن ربطه بما حملته التقارير من كون الإمدادات سجلت خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2013 ارتفاعا طفيفا ولكنه كافي لكي تعرف السوق العالمية فائضا خلال السنة المقبلة خاصة أن العديد من الدول التي صارت تنتج البترول أو الغاز  تبحث بدورها عن الحصول على حصتها من السوق العالمية للمحروقات. إن السبب الأساسي لتراجع مبيعات لاسمير خلال الأشهر الستةة الأولى من سنة 2013 يعود من جهة للانكماش الاقتصادي في المغرب ومن جهة ثانية إلى منافسة البترول المصنع المستورد.

استنادا إلى "فينانسيال أفريك" فإن استهلاك المنتجات البترولية في المغرب انخفض عند متم يونيو ب8% مقارنة مع نفس الفترة من السنة السابقة ولكن مبيعات لاسمير انخفضت ب 13% إلى 3,1 مليون طن لينخفض رقم معاملاتها ب 18%  إلى 22,59 مليون درهم، وقد كان لهذه النتائج دور حاسم في إعادة النظر في التوجهات العامة لخيارات المصفاة، فهي وبعد أن كسبت رهان عصرنة إنتاجها شرعت في الرد على ارتفاع حجم الواردات من البترول المصنع بحوالي 30%  بإنشاء شركة متخصصة في التوزيع، وهو ما يعني أن التنافسية بين مجموعة "افريقيا" التي بدأت بالتوزيع وانتقلت إلى استيراد البترول المصنع سيحتد مع شركة "لاسمير" التي كانت تقتصر في نشاطها على التصفية. إلى جانب ذلك شرعت المصفاة في التصدير إلى أسواق جديدة بأفريقيا، وإذا كانت قد استطاعت بفضل تخفيض التحملات الثابتة أن تنهي الستة أشهر الأولى من سنة 2013 بتحقيق نتيجة ترتفع عن مثيلتها في السنة السابقة ب 17% لتصل إلى 221 مليون درهم، فإن عودة النمو الاقتصادي إلى القارة الأوربية سيقلص من قدرات المصافي الأوربية على التصدير، وبالتالي فإن حصة الاستيراد ستبقى محصورة في حوالي 20% من الاستهلاك الوطني المرشح بدوره للارتفاع.ا

فسواء تعلق الأمر بالفوسفاط أو بالبترول فإن مكانتهما في النشاط الاقتصادي المغربي ستضل قائمة وقد تتعزز بغض النظر عن تضارب التقارير والتوقعات، وكما أن لدول الخليج موقع متميز يساعد على رفع حصصها في السوق العالمية للبترول والفوسفاط فإن للمغرب كذلك فرصه، وما دام أن الفرص الضائعة لا تعوض فإن انفراد المغرب بكونه ينتمي إلى منطقة تتعامل دولها بشكل انفرادي مع شركائها السياسيين والاقتصاديين يحتم التوفر على حكومة قوية قادرة على مواكبة المجهود الذي تبذله مختلف المقاولات العمومية والشبه العمومية والخاصة، فالعلاقات السياسية الجيدة التي تربط المغرب بشركائه الأفارقة تحتاج أولا وقبل كل شيء إلى علاقات اقتصادية قوية، علاقات تساهم في تحقيق التنمية المستدامة وفي تقاسم نتائج هذه التنمية.