ابراهيم الحيمر

اقتصر إصلاح نظام المقاصة الذي شرعت فيه الحكومة على اعتماد مقاربة ذات هاجس موازناتي لا تأخذ بعين الاعتبار القدرة الشرائية للمواطنين خاصة فيما يتعلق بالمواد التي تدخل في قوتهم اليومي...

تحاول الحكومة في العديد من المناسبات طمأنة المواطنين بأن أسعار المواد المدعمة خارج الكازوال والبنزين والفيول لن تشهد أية زيادة على الأقل في الوقت الراهن خاصة فيما يتعلق بغاز البوطان الذي تروج حوله بين الفينة والأخرى إشاعات ترتبط بالزيادة في أسعاره.

صحيح أن هذه الطمأنة لها أهميتها من حيث قطع الشك باليقين فيما يتعلق بالإشاعات المروجة ومن حيث إرساء نوع من الاستقرار بالنسبة لسوق المواد التي تحوم حولها إشاعات الزيادة في أسعارها. إلا أن الطمأنة الحقيقية للمواطن لا يجب أن تقتصر على هذا الجانب فحسب بل كان من المفروض على الحكومة أن تعتمد من أجل ذلك إجراءات مواكبة للحد من الانعكاسات السلبية المترتبة عن الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات التي كان لها تأثير مباشر على المواد الأكثر استهلاكا من طرف المواطن البسيط بما في ذلك الخضر والفواكه والقطاني والأسماك واللحوم البيضاء وغيرها من المواد التي تدخل في قوته اليومي والتي بدأت تسجل ارتفاعا تدريجيا في أثمنتها بسبب ارتفاع أسعار النقل. إن هذه المواد التي تأخذ قسطا كبيرا من مدخول الغالبية الساحقة من الأسر المغربية هي الأكثر عرضة لارتفاع أسعار النقل بالنظر إلى حجمها ووزنها وطبيعتها بحيث يتوجب نقلها في أقرب الآجال لتفادي فسادها وضمان وصولها إلى الأسواق بجودة عالية. وخلافا لما وعدت به الحكومة عندما قررت تطبيق نظام المقايسة، لم تأت بأي إجراء مواكب للحد من تأثير الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات وخاصة الكازوال الذي يمثل أهم تكلفة بالنسبة لنقل المواد المذكورة. ومما لا شك فيه، فإن هذه الزيادات مرشحة للارتفاع خلال السنة الجارية ما لم تبادر الحكومة بالتسريع بأخذ التدابير اللازمة والكفيلة بالحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين سيما وأنها قررت في القانون المالي لسنة 2014 تقليص حجم الدعم الموجه لمادة الكازوال بقيمة 1.2 درهم للتر وذلك عبر عدة دفعات مما سيؤدي لا محالة إلى الزيادة في أسعار الوقود ونتيجة لذلك في أسعار المواد الأكثر استهلاكا.

إن معظم الانتقادات التي تواجهها الحكومة بخصوص إصلاح نظام المقاصة لا تعني بالدرجة الأولى الشروع في تنفيذ هذا الإصلاح بقدر ما تعني المقاربة المعتمدة التي لها هاجس موازناتي لا يأخذ بعين الاعتبار الحفاظ على القدرة الشرائية للفئات المحرومة والمحدودة الدخل وكذلك الفئات المتوسطة.

ومن ناحية ثانية، فقد تمكنت الحكومة من توفير مبالغ قدرت بحوالي 18 مليار درهم عبر تقليص نفقات الدعم برسم ميزانيتي 2013 و2014، بحيث خفضت حجم الدعم من 56 مليار درهم في ميزانية 2012 إلى 43 مليار درهم سنة 2013 لكي لا يتعدى 35 مليار درهم المتوقعة في ميزانية 2014. إلا أن هذه المبالغ الهامة تم تخصيصها كاملة لخفض عجز الخزينة الذي انتقل من 7.3% من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2012 إلى 5.4% سنة 2013 مع توقع وصوله إلى 4.9% عند نهاية السنة الجارية.

إن إصلاح نظام المقاصة لن يحقق أي نجاح على مستوى الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن خاصة الفئات المستهدفة التي أنشئ من أجلها صندوق الموازنة منذ عهد الحماية إلا إذا تضمن إجراءات تهدف إلى استرجاع الدعم من الفئات الميسورة التي لا تستحقه وتوجيهها وتوزيعها بشكل جيد على الفئات المستهدفة.