عبد القادر الحيمر

تكررت الحالات التي يقدم فيها الشباب الجزائري اليائس على إحراق نفسه، وقد كان إقدام شاب في الثلاثين من عمره على إحراق نفسه يوم الجمعة الأخير داخل مقر ولاية بومرداس احتجاجا على إقصائه الدائم من قوائم المستفيدين من السكن الاجتماعي خير دليل على أن منطق "النخوة" الذي تعتمده السياسة الرسمية كمسكن لم يعد قادرا على تهدئة آلام من يعانون من "الحكرة" ومن الإقصاء.

حالات إضرام النار في الذات التي تكررت في ولايات مختلفة من الجزائر تعود في جل الأحيان لأسباب اجتماعية ناتجة عن النمط السياسي الذي يتحكم في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، ومع ذلك فإن رئيس الهيئة الوطنية الاستشارية لحماية وترقية حقوق الإنسان بالجزائر فاروق قسنطيني اختار أن يتخذ من نفسه أداة تحت إمرة السلطات الجزائرية لكي يبعد الشبهات عنها ويبرئها من  تدهور وتردي أوضاع حقوق الإنسان في الجزائر، ومن كثرة ما صار مطالبا بالبحث عن مبررات فإنه صار يبحث "بالقنديل" عن أي مسلك يوصله إلى إلصاق التهمة بالمغرب وتحويله إلى المسؤول الوحيد عن معاناة الشعب الجزائري.

إن الخلاف بين السلطات الجزائرية والمغرب حول مغربية الصحراء قائم ولا أحد ينتظر من القيادة الجزائرية الحالية تغيير موقفها منه لأنه بكل بساطة المبرر الأساسي للتغطية على السياسة الداخلية وعلى الأوضاع الاجتماعية المترتبة عنها، ولكن هذا الصراع الذي يحرم الشعبين المغربي والجزائري، ومعهما الشعبين التونسي والليبي من إضافة نقطة على الأقل في معدل النمو السنوي، قابل للتجاوز على الأقل في المجالات التي تكون مثمرة بالنسبة للطرفين.

بإمكان فاروق قسنطيني أن يضخم من ظاهرة تهريب المخدرات المستخلصة من القنب الهندي وأن يغطي على تفشي ظاهرة تهريب الحبوب المهلوسة من الجزائر إلى المغرب كما يشاء، فما دام أن هذا هو الدور المنوط به فليس أمامه إلا الامتثال رغم أن هذه الأساليب لم تعد تنطوي على الشعب الجزائري الذي يتتبع عبر وسائل الإعلام الأجنبية مستجدات الوضع ويميز بين من يبذل مجهودات للقضاء على زراعة الكيف بجبال الريف التي اعتادت نسبة كبيرة من سكانها، مند عدة عقود، على اعتماد زراعة الكيف كمورد أساسي لعيشهم، وبين من يقصر في محاربة ترويج الأقراص المهلوسة علما بأن صناعتها وتسويقها سهلة المراقبة ولا تحتاج إلا للتوفر على الإرادة في حماية السكان، المغاربة والجزائريين على حد سواء، من مخاطرها التي تضاعف بعدة مرات مخاطر استهلاك القنب الهندي ومشتقاته، لأنها غالبا ما تؤدي إلى فقدان الوعي واللجوء إلى العنف.

إن كل من تتبعوا جولة الوزير الأول الجزائري عبد المالك سلال لم يستغربوا تعرضه فجر يوم الجمعة الأخير لمحاولة اغتيال بجبل بودحان جنوب ولاية خنشلة، ذلك أن الوضع الأمني تدهور بوثيرة تفوق تدهور الوضع الاجتماعي الداخلي في حين أن الاجراءات الاستعجالية التي فرضتها الحملة الانتخابية أبانت عن حقيقة الهلل الهيكلي الذي ترددت معالمه عبر مختلف المحطات التي وقف بها سلال طيلة جولته عبر الولايات الجزائرية، فالغش في إنجاز البنيات التحتية وغلاء المعيشة وانتشار البطالة وما إلى ذلك من الأمراض الاجتماعية كلها عوامل لم يكن إضرام النار في الذات داخل مقر ولاية بومرداس إلا مظهرا من مظاهر الاحتجاج عليها.