من بين المستجدات التي جاء بها مشروع قانون المالية برسم سنة 2014 حذف الاستثناء الضريبي بشكل تدريجي وعبر عدة سنوات بالنسبة لكبار الفلاحين مع الإبقاء عليه بالنسبة للفلاحين الصغار والمتوسطين وذلك طبقا للتعليمات الملكية السامية في خطاب 20 غشت وطبقا لتوصيات المناظرة الوطنية للإصلاح الجبائي.

فحذف هذا الاستثناء الضريبي بالنسبة لكبار الفلاحين أصحاب الشركات والضيعات التي يتجاوز رقم أعمالها 5 مليون درهم له أهميته البالغة على عدة مستويات نخص منها  بالذكر تخفيف العبء على الميزانية وتحقيق العدالة الضريبية فضلا عن تحسين أداء القطاع الفلاحي عن طريق تعزيز الجو التنافسي بين المهنيين. لكن وفي مقابل ذلك، وفي حالة عدم اتخاذ الحكومة لبعض الإجراءات والتدابير اللازمة والمواكبة لهذا الإصلاح، فإن هذا القرار يمكن أن تترتب عنه تأثيرات سلبية على القدرة الشرائية للمواطنين خاصة الفئات المعوزة التي يمكن أن تصبح ضحية لهذا القرار على غرار قرارات أخرى من قبيل تطبيق نظام المقايسة الذي لم يكن مرفوقا بالإجراءات المواكبة لحماية هذه الفئات باستثناء بعض التدابير ذات التأثير المحدود كاسترجاع فارق الزيادة في أسعار المحروقات بالنسبة لوسائل النقل الحضري كالحافلات وسيارات الأجرة.

وفيما يتعلق بتخفيف الضغط على الميزانية، فيجب التذكير بأن تطبيق هذا القرار عرف تأخيرا كبيرا وكان بالإمكان إدراجه في قوانين المالية قبل عدة سنوات كحل ضمن حلول أخرى للحد من تفاقم عجز الخزينة الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة منذ أزيد من عقدين من الزمن (7.2% من الناتج الإجمالي الداخلي). فدخول هذا القرار حيز التنفيذ ابتداء من سنة 2014 سيساهم في تقليص هذا العجز جزئيا خاصة وأنه لم يعد هناك مبرر لاستمرار استفادة كبريات الشركات والضيعات الفلاحية من الاستثناء الضريبي دون المساهمة في تمويل البنيات التحتية الأساسية التي تقوم بها الدولة والتي تعتبر المستفيدة الأكبر منها كالسدود والطرق وقنوات الري وغيرها.

وفيما يتعلق بتحقيق العدالة الضريبية، فإن هذا القرار سيمكن من جعل القطاع الفلاحي وبشكل تدريجي على قدم المساواة مع باقي القطاعات على مستوى أداء الواجبات الضريبية، إلا أنه وفي إطار تحقيق هذه العدالة أيضا يتعين على الحكومة أن تسلك نفس المسلك لإخضاع المقاولات المزاولة لأنشطتها في الاقتصاد الباطني للضريبة والتي تنافس المقاولات القانونية في الأسواق الداخلية. أما فيما يتعلق بتحسين أداء القطاع الفلاحي، فإن حذف الاستثناء الضريبي سيؤدي إلى عقلنة توجيه الرساميل التي وقعت اختياراتها على هذا القطاع فقط بسبب الامتياز الضريبي الذي يشكل الجزء الأكبر من أرباحها دون التوفر على الشروط المهنية وعلى حساب قطاعات صناعية وخدماتية كانت في أمس الحاجة لهذه الرساميل. فبتطبيق هذا القرار سيتم إبعاد هذه الفئات من المستثمرين من القطاع الفلاحي مما سيؤدي إلى الرفع من مردودية الشركات وضيعات الفلاحين المهنيين عن طريق تخفيف الضغط على الموارد البشرية والطبيعية المتوفرة وكذلك على بعض المدخلات التي كانت تستعمل بشكل غير معقلن، وهذا سيؤدي بدوره إلى تحسين أداء القطاع الفلاحي بشكل عام.

لكن في مقابل هذه الإيجابيات، فإن حذف الاستثناء الضريبي بشكل تدريجي على كبار الفلاحين يمكن أن تكون له تأثيرات سلبية على مستوى السيادة في أسعار المنتوجات الفلاحية والمنتوجات الصناعية ذات المصدر الفلاحي بحيث أن جزءا هاما من هذه الضريبة سيتم عكسه مباشرة على المستهلك. وهنا يتعين على الحكومة أن تحرص على أن يكون هذا الجزء المعكوس من الضرائب في الأسعار في حدوده الدنيا وذلك عبر تعزيز الدعم لفائدة القطاع وفي إطار الدعامة الأولى المتضمنة في المخطط الأخضر من أجل عصرنة وبالتالي الرفع من مردوديته وتقليص تكاليف الإنتاج مما سيؤدي إلى الزيادة في هامش الربح وكنتيجة لذلك الحفاظ على الأسعار في مستويات جد معقولة. ومن جهة ثانية وللحد من تأثير حذف الاستثناء الضريبي على القدرة الشرائية للمواطنين وخصوصا المعوزين منهم، فإن الحكومة مطالبة بأخذ بعض الإجراءات والتدابير المواكبة يكون لها طابع شمولي ولا تقتصر على فئات دون أخرى كما حدث في السابق ولاسيما فيما يتعلق بتسريع إصلاح نظام المقاصة الذي شرعت الدولة في تنفيذه على مستوى تخفيض نفقات الدعم التي تقلصت من 52 مليار درهم سنة 2012 إلى 40 مليار درهم سنة 2013 ثم إلى 35 مليار درهم المدرجة في إطار مشروع القانون المالي برسم سنة 2014. إلا أن الهدف من ذلك كان هو تخفيف الضغط على الميزانية فقط ولم يظهر له أي تأثير على المستوى المعيشي للفئات المستهدفة لنظام المقاصة.