رشيد المسطاسي

أفرزت تطورات الأوضاع في أوكرانيا معطيات تؤكد بأن روسيا لن تتردد في حماية مواقعها بالمناطق التي تعتبرها جزءا لا يتجزأ من امتدادها الجغرافي والسيادي، فرغم التلويح الغربي بإشهار سلاح المقاطعة الاقتصادية فإن تضارب المصالح بالمنطقة أكبر من أن يخضع لمنطق البلاغات والتصريحات، فأوكرانيا لها خصوصياتها التي تستمد قوتها من جدورها التاريخية والثقافية.

عندما بادر فلادمير بوتين إلى إرسال حوالي 16ألف عسكري إلى أوكرانيا بتاريخ 24فبراير 2014 فإنه لم يفاجئ بقراره هذا من لهم دراية واسعة بمكانة المنطقة في الاستراتيجية الروسية، فبوتين الذي تخلى عن الامبراطورية السوفياتية القائمة على مبادئ إيديولوجية قوامها الاشتراكية والحتمية التاريخية يبني مرحلة التوازن على استراتيجية خلق الامبراطورية الروسية.

ما يحدث الآن ما هو في الواقع إلا امتداد لباقي المراحل التي ابتدأت بالثورة المخملية، إنها مرحلة يريد فيها بوتين أن يبني الإمبراطورية الروسية على أسس ثقافية سلافية تستمد جذورها من التاريخ الروسي الذي يسجل بأن بطرس الأكبر عمد مند القرن 18 إلى  بلوغ البحار الحارة حتى يتمكن من لعب دور قوة بحرية تتخذ كمنطلق لها جورجيا في البحر الأسود وأوكرانيا في بحر البلطيق، وهذا التوجه أملاه واقع الموانئ الروسية التي تحاصرها الثلوج حوالي ستة أشهر في السنة.

 من الناحية التاريخية فإن أوكرانيا جزء لا يتجزأ من العالم السلافي، وأول قيصر توج في كييف لمقاومة المغول والثاثار ومن تمة انطلقت روسيا الكبرى.

بالنسبة لمنطقة القرم فإنها عاشت في القرن 19 مرحلة حرب كبيرة بين العثمانيين والروسيين، وفيها تدخلت كل من فرنسا وألمانيا وانجلترا كما تدخل الجيش المصري كمساعد للدولة العثمانية في عهد محمد علي. إن شبه جزيرة القرم هي نقطة ضعف روسيا لأن إغلاقها يعني سد الأبواب عليها، وبإغلاق بوابة جورجيا لا يمكن لروسيا أن تعتمد على أسطولها البحري أو حتى على دور الغاز والبترول في مبادلاتها الخارجية.

غير أن المنطلقات الروسية تقوم كذلك على كون سكان المنطقة يخضعون لحكم ذاتي وهم من الناحية اللغوية مقسمون إلى ثلاثة أقسام، الأول يتكلم لغة سلافية تستمد جدورها من الروسية القديمة، والثاني مزدوج اللغة والثالث يتكلم اللغة الروسية، وفضلا عن ذلك فإن حفاض روسيا على موقعها بالمنطقة ينبثق عن الاتفاقية المبرمة مع الحكومة المركزية لأوكرانيا مند انقسام الاتحاد السوفياتي.

من المحقق أن أوكرانيا ،بكل المقاييس، تستقطب أنظار القوى العظمى، فإذا كان الأوربيون قد سعوا من جهة إلى إدخالها في الحلف الأطلسي فإن الطبقة التي تولت الحكم بعد الثورة المخملية خيبت آمال الناخبين لأنها كانت فاشلة ومرتشية، وهذا ما ساعد روسيا على تنصيب حكومة ديمقراطية ولكنه دون أن يسفر ذلك عن وضع حد لانتشار الفساد، وإذا كانوا من جهة ثانية قد اقترحوا عليها مساعدات مالية هامة في حال انضمامها للاتحاد الأوربي فإن روسيا لم تتردد في الإعلان عن استعدادها لدفع مساعدات تزيد قيمتها عن ضعف المساعدات الأوربية.

من الناحية الاستراتيجية والتاريخية فإن أوكرانيا لا يمكنها أن تكون خارج تأثير مركز القرار الروسي وإلا فإن ذلك سيضرب المصالح الداخلية لروسيا التي تتكون ساكنتها من الثاثار والشيشان ومن عدة قوميات، فالمصلحة الوطنية لروسيا تقتضي أن تبقى أوكرانيا تحت التأثير الروسي، وكيف لا وروسيا المقدسة الناتجة عن اتفاق مع الكنيسة الأرتودوكسية انطلقت من أوكرانيا.

كل هذه المعطيات التاريخية والجيوسياسية يدعمها الوضع الاقتصادي الذي يجعل من الصعب على الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي تطبيق عقوبات اقتصادية على روسيا، والأمر لا يقف عند كون قرار من هذا المستوى قد تكون له انعكاسات وخيمة على بعض الدول الأوربية التي تعتمد على روسيا في التموين ببعض المواد الأساسية كما هو الحال بالنسبة لفرنسا  وألمانيا اللتين قد تكونا عاجزتين عن إيجاد بديل عن الغاز الروسي، ولكن سلاح المقاطعة الاقتصادية بدأ يفقد نجاعته، بل إنه صار يهدد الدول التي تلجأ إليه بفقدان أسواق هي في أمس الحاجة إليها، فعندما كان الحصار الاقتصادي يقتصر على دول معزولة كان وقعه قويا على من يٌفرض عليه، أما وبعد أن صار يشمل مجموعة من الدول مثل إيران – سوريا – فنزويلا – كوريا الشمالية – كوبا فقد صار اللجوء إليه يحتاج إلى دراسة الجدوى من منطلقات تراعي الوضع الدولي المتميز بكون الأزمة الاقتصادية العالمية فرضت على الولايات المتحدة الأمريكية تقليص ميزانيتها العسكرية، وفرضت عليها التمهيد للخروج من أفغانستان، فسواء تعلق الأمر بالمقاطعة الاقتصادية أو باستعمال القوة العسكرية فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم يعد لها نفس الهامش من الحرية الذي كان يؤهلها لفرض مواقفها في النزاعات الدولية، أما الاتحاد الأوربي فمن الصعب التكهن بما ينتظره سواء تشبث بالدفاع عن تقرب أوكرانيا منه أو قبل بإلقائها تسبح في فلك الامبراطورية الروسية. إنها مرحلة جديدة لاشك أن الورقة الاوكرانية ستكون لها مكانتها في تحديد طبيعة المراحل التي ستلوها.