عبد القادر الحيمر

فتح تقرير الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان في العالم، الباب على مصراعيه أمام تبادل الاتهامات التي تتخذ من حماية حقوق الإنسان خيارا سياسيا يعتمد كسلاح فتاك يشهر في وجه العديد من الأنظمة ويخضع لانتقائية كثيرا ما تكون في حد ذاتها خرقا جسيما لحقوق الإنسان.

   التقرير الأمريكي، وإن كان يتضمن مجموعة من المعطيات حول الانتهاكات المسجلة في مناطق مختلفة من العالم، يحمل في طياته ما يجعله موضوع انتقاد مدعم بوقائع ومعطيات تضع الولايات المتحدة الأمريكية بدورها في مصاف الدول المنتهكة لحقوق الإنسان رغم أن التقرير الأمريكي تفادى تسليط الأضواء عليها.

أهم الانتقادات صدرت عن الصين التي عاتبت على الولايات المتحدة الأمريكية كونها تعتبر نفسها قاضيا في مسائل وضع حقوق الإنسان في العالم، ووجهت اتهامات مختلقة واستنتاجات متهورة بشأن وضع حقوق الإنسان في نحو 200 بلد ومنطقة بالعالم، لكنها لم تذكر الوضع المتعلق بحماية حقوق الإنسان في بلادها. وفي هذا السياق ذكر التقرير الصيني ببرنامج التنصت الإلكتروني "بريزم"، الذي تجريه الاستخبارات الأمريكية على مدى فترة طويلة، والذي يمثل "انتهاكا فظا للقانون الدولي وحقوق الإنسان"، كما أشار إلى استخدام الولايات المتحدة الأمريكية  بشكل واسع النطاق للطائرات بدون طيار، لشن غارات على مختلف الدول، وتؤدي إلى مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، ولم يفت الرد الصيني أن يذكر بأن الولايات المتحدة الأمريكية لم توقع حتى الآن على عدد كبير من أهم الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان، بما فيها اتفاقيات تتعلق بحماية حقوق النساء والأطفال وذوي الإعاقة. 

ورغم أن الموقف الصيني يعتبر ردا على ما تضمنه التقرير الأمريكي من انتهاكات لحقوق الإنسان في الصين، بما في ذلك ملاحقة المعارضين وتقييد حرية التعبير، لا سيما في قطاع الإنترنت، إلا أنه يفرض التساؤل عن الخلفيات الحقيقية لنشر مثل هذه التقارير وجدوى إشهارها بشكل انتقائي وموسمي بينما الحماية الحقيقية تقتضي المعالجة الفورية للعديد من الحالات وخاصة منها الخروقات التي تكون لها انعكاسات وخيمة على شعوب بأكملها كما هو الحال بالنسبة للدعم اللامشروط الذي تقدمه الإدارة الأمريكية لسلطات الاحتلال الصهيوني رغم أن التقارير اليومية تحمل انتهاكات لأبسط حقوق الإنسان، بما في ذلك قتل من تعتبرهم أعداءها دون محاكمة وهدم بيوتهم وترحيلهم ليشمل العقاب حتى أهله وذويه سواء كانوا كهولا أو أطفالا.

الأسلوب الانتقائي المعتمد من طرف القوى العظمى صار نهجا يقتدى به من طرف العديد من الدول التي تدخل في نزاعات إقليمية وجهوية، وبالنسبة لمنطقة المغرب العربي فإن الانتقائية تجلت في القصاصة التي عممتها وكالة الأنباء الجزائرية حول تقرير الخارجية الأمريكية إذ لم تجد فيه إلا فقرة خاصة بحقوق الإنسان في الصحراء المغربية وتعمدت السكوت عن الفقرات التي تحدثت عن الفساد "المستشري" وعن "غياب الشفافية" في دواليب الدولة الجزائرية. وعن كون التقرير الأمريكي خصص أكثر من 30 صفحة لوضعية حقوق الإنسان في الجزائر، ووقف عند ثلاثة انتهاكات صنفها بالجسيمة والمستمرة وهي: القيود المفروضة على حرية التجمع وتأسيس الجمعيات، وعدم استقلالية الجهاز القضائي، واستمرار الاعتقالات التعسفية.

لقد تناول تقرير الخارجية الأمريكية وضعية حقوق الإنسان في حوالي 200 دولة، وهو تقرير لا يخلو من إيجابيات لأن مجرد ما تضمنه من انتهاكات عبر مختلف أنحاء العالم يبين إلى أي حد فشل المتحكمون في القرارين السياسي والاقتصادي في إحقاق الحق وفي إعادة الابتسامة إلى شفاه الأبرياء والمظلومين والمحرومين.