حقق المغرب مكتسبا آخر ضمن المكتسبات المتتالية المنجزة في قضية الدفاع عن وحدته الترابية عندما انتخب عضوا جديدا في مجلس حقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمم المتحدة لولاية مدتها ثلاث سنوات بعد حصوله على 163 صوتا في الجمعية العامة من أصل 193. وقد اعتبر ذلك بمثابة اعتراف دولي وتتويج للمجهودات التي قامت بها المملكة في مجال حقوق الإنسان منذ عدة سنوات. إلا أن الأهم من ذلك هو أن هذا الاعتراف جاء في الوقت المناسب للرد على خصوم الوحدة الترابية الذين لجأوا إلى المتاجرة بملف حقوق الإنسان لاستمالة الرأي العام الدولي إلى جانبهم من أجل كسب بعض النقط في قضية الصحراء المتنازع بشأنها.

فهذا التتويج والاعتراف يضرب في العمق الحملة العدائية التي تقودها الجزائر ضد المغرب منذ فترة طويلة آخر وأهم تجلياتها الرسالة التي بعث بها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى مؤتمر أبوجا المتضمنة لمواقف معادية للمغرب. كما تشكل إشارة قوية لبعض المنظمات والهيئات الحقوقية الدولية للعدول عن مواقفها غير المنصفة للمملكة إما لعدم حصولها على المعطيات الكافية والاقتصار على استماعها لطرف واحد يعمل جاهدا على التوظيف السياسي لملف حقوق الإنسان بغية التأثير على قضية الصحراء المغربية أو بسبب الاستئجار للقيام بهذا الغرض بطلب من الجزائر التي تستغل إمكانياتها المادية الوافرة بكافة الأشكال والوسائل المتاحة لها للنيل من سمعة المغرب وعرقلة مساره التنموي والتصدي لكل الخطوات الإيجابية التي يقوم بها في شتى الميادين.

وعند قيادة الجزائر لحملتها العدائية ضد المغرب المبنية على ملف حقوق الإنسان، تتناسى أنه خطا خطوات هامة في مجالات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان مشهود له بها في مختلف الأوساط الحقوقية الدولية ليصبح بذلك نموذجا يحتدى به على صعيد المنطقتين العربية والإفريقية في هذا المجال. كما تتناسى عندما تشهر ورقة حقوق الإنسان في وجه المغرب أنها أسوأ حالا في هذا الميدان حسب ما تفيد به بعض التقارير الدولية المختصة خاصة بتندوف التي مازالت تعيش في ظل مختلف أنواع الممارسات المنافية لحقوق الإنسان المعترف بها دوليا.

وأخطر ما في الأمر هو أن الجزائر أصبحت تسخر في إطار هذه الحملة العدائية كل الوسائل لتوليد مشاعر الكراهية لدى المواطنين الجزائريين تجاه المغرب والمغاربة خاصة بعض المنابر الإعلامية المسموعة والمرئية التي بدأت تخصص حيزا كبيرا من برامجها لتشويه صورة المغرب ضاربة بذلك عرض الحائط علاقات الجوار والقواسم المشتركة في الدين واللغة والتاريخ. وفي هذا الصدد، فإن كل خبر مسيء للمغرب يصبح مادة رئيسية ودسمة لهذه المنابر تتوسع فيها بسخاء وتتفنن في توظيف الأرشيف النتقى من سنوات خلت وفي استعمال كل وسائل التضليل لجعله أكثر إساءة له. ونذكر على سبيل المثال التقرير الذي أصدرته الأمم المتحدة مؤخرا حول إنتاج المخدرات في المغرب والمتعلق أساسا بزراعة القنب الهندي وهو ملف تبذل فيه جهود كبيرة بتنسيق مع الاتحاد الأوربي لمحاولة القضاء تدريجيا على هذه الزراعة مراعاة للظروف الاقتصادية والاجتماعية وكذلك بسبب تشعب هذا المشكل الذي تتدخل فيه عدة أطراف وذلك علما أن خطورة هذا النوع من المخدرات لا تكمن في مساحاتها المزروعة بقدر ما تكمن في الشبكات الدولية التي تقوم بترويجها حسب رأي بعض الدول المتضررة خاصة فرنسا وإسبانيا. وفي مقابل ذلك، فهذه المنابر التي تولي اهتماما بالغا لملف المخدرات بالمغرب لا تشير ولو بجملة واحدة لصناعة الحبوب المهلوسة بالجزائر الأكثر خطورة من القنب الهندي التي أصبحت تهرب عبر الحدود بدون ضوابط وفي غياب أي مراقبة وبأثمان جد بخسة لتستعمل كسلاح لتدمير الشباب المغربي والقضاء على مستقبله بصفة نهائية. وقد سبق لوزارة الداخلية المغربية أن أشارت إلى أن أزيد من 80 في المائة من الجرائم المرتكبة من طرف الشباب تكون ناتجة عن استعمال الحبوب المهلوسة القادمة إلى المغرب عبرا لحدود الشرقية.

ومن جهة ثانية، فإن هذه الحملة لم تتوقف عند هذا الحد بل تعدتها لتشمل حث وكالات الأسفار لتغيير وجهة الرحلات المبرمجة اتجاه المغرب خاصة بمناسبة حلول رأس السنة الجديدة إلى دول أخرى كتونس ومصر وتركيا وغيرها.

وعموما فإن هذه المحاولات العدائية لم تكن مفاجئة للمغرب بل كانت متوقعة ولاسيما منذ إجراء بعض التعديلات في قيادات الجيش وأجهزة الاستخبارات بالإضافة إلى التعديل الحكومي حيث تم الاعتماد في التعيينات الجديدة على الشخصيات الأكثر عداء للمغرب وذلك تمهيدا لتوظيف ورقة المغرب في الحملة الانتخابية السابقة لأوانها لبوتفليقة المرشح للفوز بولاية رابعة في رئاسيات شهر أبريل القادم. لهذا فإنه من المنتظر أن تشتد حدة هذه الحملة العدائية على الأقل خلال الأشهر القليلة القادمة لمواصلة التشويش على سمعة المغرب في الخارج والتأثير على قضية الصحراء المغربية من ناحية ولمحاولة تصدير المشاكل الداخلية إلى الخارج وتهدئة الأوضاع خاصة بعد المعارضة القوية لترشيح بوتفليقة لولاية رابعة من ناحية ثانية.

مم هذا المنطلق فإن المغرب بجميع مكوناته مطالب،؟ خصوصا في هذه الفترة، بالتحلي بمزيد من اليقظة لمواجهة كل ما يمكن أن يصدر عن الجزائر للنيل من سمعته، بل الأكثر من ذلك فإنه مطالب بالتنبؤ بالخطوات التي يمكن أن تقدم عليها في إطار مخطط ممنهج.