محمد مونشيح

إذا كانت الحياة السياسية وتفاصيلها ورصد الأنشطة البرلمانية وتتبع حصيلتها، من المواضيع التي استأثرت باهتمام الباحثين والمتتبعين، فإن قيمة النشاط الدولي للبرلمانيين كموضوع للدراسة مازال ناشئا ومفهوما جديدا نسبيا، غير أنه منذ عقدين من الزمن لاعتبارات التدويل المتصاعدة والعولمة، أضحى دور البرلماني خارج الحدود ولا ينحصر داخله، ومدعوا أكثر لتسجيل حضوره في المشهد الدولي، وكذا التخلي عن وضعية المتفرج السلبي، سيما وأن الحواجز لم تعد كما كانت في السابق بين السياسة الداخلية والخارجية بل إن التداخل بين المجالين هو أمر واقع، بالإضافة إلى التغييرات التي لحقت التجديدات المنهجية لتاريخ العلاقات الدولية التي بدأت ٌتعير اهتماما خاصا بظواهر الشبكات، و دراسة التدفقات عبر وطنية، وحركية الأفراد والجماعات، ونشاط المنتخبين، وكذا ملاحظة التفاعل بين منطق الدولة وجماعات الضغط والمصالح الاقتصادية وتحليل لعبة المستويات من المحلي إلى الدولي... 

الدبلوماسية البرلمانية: محاولة أولية في التحديد

ما الذي يمكن أن تعنيه السياسة الخارجية في الاهتمامات اليومية للبرلمانيين، طالما أن المواطنين لا يذكرونهم بذلك في مناسبات الاستحقاقات الانتخابية؟ ماذا بمقدور البرلمانيين أن يقوموا به في اختصاص مازال مجالا محجوزا للسلطة التنفيذية أو ملكيا (régalienne ) أو(قضية أمراء) حسب التعبيرات الكلاسيكية؟ 

وإذا كان من الصعب إعطاء تعريف محدد ودقيق للدبلوماسية البرلمانية، لكثرة التعريفات واختلافها، فإن أهمية هذا المعطى يكمن في الإجماع على إقرارها. ومازال البرلمانيون، ومن خلالهم المجالس البرلمانية،  يطالبون بمكانة متميزة في المشهد الدولي، وبتطوير اختيارات السياسة الوطنية في مجالات السياسة الخارجية، خصوصا عندما يتم استحضار التحولات التي تشهدها المجتمعات وتأثيراتها على الحياة اليومية، لأن الناخبين ينتظرون من البرلمان أن يترجم بشكل ملموس انتظاراتهم بأن يضغط على السلطة التنفيذية بما في ذلك صلاحياتها الدولية، إن هذا النوع من الدبلوماسية يوجد  في قلب رهانات الزمن المعاصر.

وبهذا الشكل فقد تم المرور من التعاون البرلماني إلى دبلوماسية جديدة، فكيف يمكن تعريف هذه الأخيرة؟  

 يقترح البعض لأجل تحديد دقيق لهذا المفهوم الوصف المعياري المؤسسي (Didier Mauss)، وهناك من يضيف عليها تلك الممارسات  التي تشكلت بشكل تلقائي ثم تمأسست، وسمحت للبرلمانيين في إطار ولايتهم بالانكباب على المشاكل الكبرى التي لا تخضع للحدود، هذا النوع من الدبلوماسية  له هدف القيام بمبادرات لأجل التأثير على القرارات السياسية للسلطة التنفيذية في هذا المجال، وتهيئة الظروف لحلول ملموسة.

 تحقيق هدف مثل هذا يكون سهلا نسبيا، لأن الدبلوماسية البرلمانية تستعين بوسائل مباشرة وأقل شكلية واعتمادا على نهاية السر الدبلوماسي، والتراجع المتزايد للتمييز القوي بين الشؤون الداخلية والخارجية، وما مواضيع التنمية وحماية البيئة وحقوق الإنسان...الخ، التي كانت من المسؤوليات الداخلية للدولة، إلا نماذج من المواضيع التي تحولت إلى رهانات للعلاقات الدولية. 

لذلك فالسياسة الخارجية هي سياسة عمومية ضمن أخرى، وتثير نفس المشاكل على مستوى الخيارات والفعالية والمراقبة، ألم ينكر ( Claude Cheysson) وجود شؤون خارجية، وأن هناك فقط ترجمة خارجية لسياسات داخلية، لذلك فإن التدويل المتزايد للشؤون الداخلية يشكل إحدى أهم العوامل التي تسمح بتبرير التطور المتزايد للدبلوماسية البرلمانية.

في المقابل " هناك من يرى أنه من الصعب تخويلها لمجموع ممثلي الشعب، الذين يمكنهم التصريح حول نفس النقطة بآراء متباينة إن لم تكن متناقضة"، لأن السياسة الخارجية تفترض وحدة في التصميم والإدارة ولا يمكن أن تكون متطابقة مع صيغ التداول الدائمة التي نجدها على مستوى البرلمان، ولأنها تعبر عن مصالح دائمة للدولة وغير مرتبطة بهذه الأغلبية أو تلك. إن السياسة الخارجية هي أقل عرضة للتغيرات السياسية والاقتصادية أو الاجتماعية التي يمكن أن تحدث على المستوى الداخلي للبلدان، لذلك فالسلطة التنفيذية أكثر تأهيلا من البرلمان للتعبير عن وحدة التصميم و الادارة التي سبق الحديث عنهما.

وجدير بالذكر، أن وضعية البرلمانات في علاقتها بتحديد السياسة الخارجية تتفاوت حسب الأنظمة السياسية والثقافات، إذ استطاعت البرلمانات في الدول الديمقراطية فرض مشاركتها في مجال السياسة الخارجية وتقديم دعم لا يمكن إنكاره للحكومة.

ويترجم هذا الأمر عبر المصادقة على المعاهدات الدولية، وملائمة التشريعات الموجهة للتطبيق في القانون الداخلي، وتمرير الأغلفة المالية المخصصة للشؤون الخارجية و مراقبة السياسة الخارجية للحكومة.

لذلك قد أصبح البرلمان  في الديمقراطيات الصاعدة يحاول مواجهة رهانات عبر وطنية، سياسية، اجتماعية، بيئية، تجارية، أمنية وتواصلية، ولم يعد دوره مقتصرا على التشريع والمراقبة والتداول، بل مطلوبا منه التغير والتكيف مع الحقائق الجديدة التي تفرضها العولمة، وبالتالي متابعة السياسة الخارجية والتأثير والمشاركة في اتخاذ القرارات في مواد السياسة الخارجية.

وينغي التذكير كذلك أن الدبلوماسية البرلمانية ليست بديلا للدبلوماسية الكلاسيكية ومكملة لها، إنما هي دبلوماسية معالجة سوء الفهم أو النزاعات، عندما تتعطل القنوات الرسمية، وتسهيل الحوار والنقاش وجعله أكثر برغماتية، وتبادل الأفكار والتجارب بين البرلمانات، وبشكل عام العمل على معرفة الآخر، خصوصا في بلد يقع في محيط صعب أو عدواني، أو ما يسمى ب"بلد مخاطر" (pay à risques)، وبالتالي فهي دبلوماسية المصاحبة والاستكشاف الحاملة للقيم... 

ولا ينبغي أن نتجاهل العامل الشخصي في هذا النوع من الدبلوماسية، ويقصد بها البرلماني الذي يقوم بأدوار مهمة بصرف النظر عن انتمائه الحزبي أو توجهه الايديولوجي، يتصرف البرلماني كإلكترون حر، وتاريخ البرلمانات العريقة حافل بهذا النوع من الدبلوماسيين غير المحترفين مثل (Charle Hermu,Mike Mansfield )، وهنا نكون أقرب إلى دبلوماسية البرلمانيين من الدبلوماسية البرلمانية.

الدبلوماسية البرلمانية المغربية والوضع الصعب:

حققت الدبلوماسية المغربية الرسمية تراكمات مهمة منذ الحرب الباردة، بفعل خبرتها في تدبير العديد من الملفات ودورها في العديد من القضايا الدولية والقارية، رغم بعض الانزلاقات التي هي من صميم ممارسة هذا النشاط مع نقاط ضعف عديدة، حتى أضحت أية ممارسة موازية مجرد ظلال شاحبة. 

لم تحظ السياسة الخارجية في المغرب باهتمام الناخبين والمنتخبين على السواء، لاهتمام الناس المتزايد بمشاكلهم المحلية، ونزوعهم أكثر عن المشاكل الشائكة، هذا بالإضافة الى عدم استقرار المزاج العام وتناوب الأحزاب، وهو الأمر الذي أدى إلى شيوع ثقافة التواكل، وترك المسؤولية في هذا المجال كاملة  بيد الملك.  

لذلك فدبلوماسية البرلمان المغربي ظلت قاصرة وعاجزة عن تحقيق اختراقات مهمة، بالرغم من الإرادوية المعلنة على مستوى الخطاب، والموسمية المرتبطة بالظرفيات، وانتظار الإشارات من فوق للتحرك...أو الاكتفاء بإنشاء مجموعات صداقة وتبادل زيارات الوفود البرلمانية التي يغلب عليها طابع المجاملة والبروتوكول، والتي لا ترقى إلى مستوى الاحتراف والعمل الميداني الذي يمكن أن يثمر نتائج ملموسة.

كل هذه العوامل مرتبطة كذلك بطبيعة النظام الذي يعتبر الشأن الخارجي ضمن مجاله المحجوب، ومؤسساته ومكوناته المنتخبة والسياسية...والتي مازال الشأن الخارجي والجيوسياسي خارج دائرة اهتماماتها، وربما كانت هذه من أهم نقاط ضعف الدبلوماسية المغربية بشكل عام في موضوع استكمال الوحدة الترابية، حتى "اكتست السياسة صبغة " شريفية " سهلت على العدو رميها بالرجعية والتوسعية" على حد تعبير ذ. عبد الله العروي، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل حسب نفس الأستاذ، إذا تشخصنت المشكلة الصحراوية إلى هذه الدرجة من يضمن أن تظل في الوقت نفسه وطنية؟

 ثم إن السياسة الرسمية نفسها، تكون في بعض الأحيان، غير واضحة حتى بالنسبة للمكلفين بتنفيذها، بالإضافة إلى تراخي الدولة، في بعض الأحيان، بالاكتفاء بشراء المهل وإعطاء الانطباع بأنه تم كسب المعركة، وهو الأمر الذي انعكس سلبا على أي نشاط خارجي.

و الملاحظ أن التعاطي السلبي مع الخارج لا يعوض من قبل البرلمانيين بالتركيز أولا على الجانب الداخلي، لأن إقناع مواطنيهم هو جزء من كسب أي استحقاق أو معركة ضد خصم عنيد، ولأن الوضع الداخلي الهش هو الذي يجعل الناس لا يلتفتون لما قد يقوله المغرب الرسمي، وبذلك يكون العمل في الداخل له أهميته بالتمهيد للعمل في الخارج، لاسيما عندما نستحضر بعض ثوابث السياسة المعادية التي تستهدف تسميم الجو الداخلي. لكن لابد من التذكير بأن الوطنية لا تعني التركيز على التعبئة الداخلية وحدها، وترويج خطابات يغلب عليها الطابع الدعائي غير الواقعي، بدون تفكير استراتيجي. 

ولابد من الإشارة إلى أن اختلاف وجهات نظر الأحزاب السياسية التي هي عصب الدبلوماسية البرلمانية، لا يحول دون خلق جبهة موحدة، وإن كان كل منها يختار الوسيلة التي تخدم هدفه الأساسي داخليا، فقد كان  الحل مثلا في وقت من الأوقات ثوريا في نظر الاتحاد الاشتراكي، عسكريا في نظر حزب الاستقلال، في حين دبلوماسي! في نظر الحكم، وإذا كان الخطاب الرسمي لا يلتقي بالضرورة مع الخطابات الأخرى للأحزاب والناشطين، فإن المهم هو الالتقاء في الدفاع عن الموقف الوطني.

لا مانع من تفكير من لدن الأحزاب السياسية ومن خلالها فرقها البرلمانية في برنامج سياسي موازي يهم هذا الموضوع، إذ لا يمكن الوقوفْ عند حدود التعليق، أو اجترار الخطابات الرسمية وتسخين الأجواء عندما يطلب منها ذلك أو نقل الرسائل، لأن ذلك لن يجعل منها - مهما حاولت - مشاركة في الحدث وهي في حقيقتها مجرد ساعي البريد.

لكن كيف لبرلماني أن يخوض معركة سياسية نظريا وعمليا، مسلحا بما ليس في استطاعته أن يتسلح به؟ كيف يمكن مطالبة البرلمان المغربي بأكثر من طاقته في القيام بدبلوماسية برلمانية فعالة ومتطورة، وهو مازال محكوما بمنطق العين وضمان الخدمات، وتمثل الدبلوماسية البرلمانية كفرصة للسفر والسياحة؟ كيف لبرلمان بدون نخب حقيقية ملمة بالتطورات الدولية، أن يساير تبدل ثقل العالم، وأن يغير التفكير بمنطق الحرب الباردة والحرب على الإرهاب، ويدرك أهمية عنصر حقوق الإنسان في السياسة الدولية  وبالضبط في ملف الصحراء الذي لم يحقق فيه المغرب إنجازات مهمة؟

كيف لبرلمان مسكون بمنطق الحسابات الصغيرة جداً والسياسوية، أن يعرف كيفية تحرك القوى السياسية في البرلمان الأوربي بما فيها قوى من المفترض أن بعض الاحزاب المغربية على علاقة ودية معها؟ كيف لبرلمان لا يولي اهتماما للمنظمات الحقوقية الكبرى، ومراكز البحوث الدولية والإعلامية التي تشكل الرأي العام الدولي أن يكون على بينة من أمره؟

فهل يمكن انتظار شيء من برلمان لم يعقد، حسب بعض المتتبعين، ولو جلسة واحدة للتعاطي مع تطورات ملف الصحراء في الولايات المتحدة الأمريكية، أو مناقشة تقارير البرلمان الأوربي؟ ما الذي قام به البرلمان المغربي في علاقته بالبرلمان السويدي الذي اعترف بالبوليساريو، وما محل رئيس" البرلمان العالمي" المغربي الذي شبه ب "سندباد البرلمان" من ذلك،  رغم كثرة أسفاره خارج المغرب، عندما كان رئيساً للبرلمان وفي منصبه الحالي؟ أين هي جمعيات الصداقة البرلمانية المغربية الأمريكية، عندما شكل الكونغرس لجنة لدعم تقرير المصير مع التوصية على رهن كل المساعدات باحترام المغرب لحقوق الإنسان في الصحراء؟ لماذا لم يسبق أن أثيرت داخل البرلمان المغربي أدوار الأجهزة الأمنية بكل أنواعها ووضعها أمام مسؤولياتها في مواضيع ذات الصلة بالسياسة الخارجية؟ لماذا لم يستفد المغرب من الجالية المغربية بالخارج التي لم تستطع أن تضمن لنفسها لحدود الآن مكانا ضمن التمثيلية البرلمانية؟

هل استطاع البرلمان المغربي أن يضع المشاكل المطروحة وضمنها موضوع الصحراء في إطاره الاستراتيجي، وأن يربطه بدول ومصالح أخرى عديدة، وليس فقط مع الاطراف المعنية مباشرة بذلك، بأن يعي مثلا الدور الكبير الذي بدأت تلعبه ألمانيا في الاتحاد الأوربي ومن خلاله في العالم سياسيا واقتصاديا؟

أكيد أن البرلمان المغربي ليست له الحرية المطلقة في الحركة والمبادرة، رغم الخطابات المحفزة، بالإضافة لافتقاره للموارد وعدم ترشيد تلك المرصودة له، ناهيك عن حرمانه من المعطيات والمعلومات التي يمكن أن تساعده في القيام بمهامه. وإن كان هناك من ذهب بعيدا في انتقاده للدبلوماسية المغربية الرسمية بشكل عام وللدبلوماسية البرلمانية بشكل خاص، بنعتها ب" دبلوماسية الريع" أو "دبلوماسية الأسفار" أو "الدبلوماسية السياحية".