بقلم: عبدالحق الريكي

كان جو الدراسة في سنوات 1972/1973 ممتازا بكوليج "يعقوب المنصور"، بفضل صرامة وكفاءة مديرها الحاضر والمتتبع لكل صغيرة وكبيرة داخل الثانوية ومحيطها. لم أجد أية صعوبة في التأقلم مع أصدقاء جدد وأن أصبح أحد التلاميذ البارزين داخل القسم والمحبوبين لدى الأساتذة المغاربة منهم والفرنسيين. كنت – وما زال العديد من أصدقائي التلاميذ أحياء للإدلاء بشهادتهم – طفلا خجولا، صامتا، محبوبا لدى الأصدقاء، لا أتحدث عن أحد بسوء ولا أسب أحدا، أساعد قدر ما أستطيع ودائما في الصف الأمامي للدفاع عن الحق...

كنت أيضا تلميذا مجتهدا مما فتح لي باب مصاحبة العديد من التلاميذ إلى منازلهم لإعداد التمارين ومن تم التعرف على دويهم وتقاليد وعادات أهل الرباط... هكذا أصبحت صديقا حميما لعائلة "كديرة" القاطنة بديور الجامع حيث ستكون لي مع صديقي ع. كديرة، تلميذ بنفس القسم، أولى التدريبات على السياسة والمعارضة... كما أصبحت صديقا لتلاميذ عديدين، أذكر منهم م. أبوتمام، ألتقي بهم أيام السبت والآحاد للذهاب للسينما أو لعب كرة السلة حيث سأصبح منتميا لفريق فتيان "سطاد المغربي"...

كنت مع مجموعة من الأصدقاء مولعا بالحديث عن السياسة والقمع المسلط على الشعب وعن المعتقلين السياسيين، نهمس بيننا حتى لا يسمعنا المخبرون ونحفظ بعض الأبيات الشعرية وخاصة "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر... ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر" وكذا بعض أغاني الثورة الفلسطينية وبالطبع أغاني ناس الغيوان العدية ومن لا يتذكر "ما هموني غير الرجال إلى ضاعو، لحيوط إلى رابو كلها يبني دار، ما هولوني غير الصبيان مرضو وجاعو، والغرس إلى سقط نوضو نغرسو أشجار"...

أتحدث عن سنوات 1972/1973  وعمرنا آنذاك حوالي اثنى عشر وثلاث عشر سنة... كما أتذكر مشاركتي في فاتح ماي أمام مقر الاتحاد المغربي للشغل والجو المكهرب حيث البيروقراطية تحاول عزل الطلبة والتلاميذ عن المشاركة والهتاف مطالبين بالحقوق والحريات... ولن أنسى ما دمت حيا الفلقة التي أكلها أمام أعيننا، قرب كوليج يعقوب المنصور، ع. الغزالي، من طرف البوليس السري والعلني في أحد الأيام لتزعمه إضرابا للتلاميذ... أصبح المعني بالأمر سنوات بعد ذلك أحد القياديين الشباب داخل الشبيبة الاتحادية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قبل أن يرحل إلى عوالم أخرى...

أتذكر أيضا أنني كنت أزور كل نهاية أسبوع مجموعة من الطلبة القادمين من الحسيمة والمسجلين بكليات الطب والاقتصاد وبعض المعاهد، كانوا الفوج الثاني من جيل الاستقلال الحاصلين على شهادة البكالوريا المغربية وكنت أقضي أوقات طيبة رفقتهم، أستمتع باللغة الريفية وبنقاش عال حول مواضيع الشباب والريف والجامعة والسياسة والحكم والمعارضة وكان من ضمنهم ن. الوزاني، دكتور العظام الحالي والبرلماني والقائد السياسي، كما كان أيضا ع. بورجيلة، دكتور الطب الذي رجع إلى مدينته الحسيمة ليمارس مهنته بها وأيضا ع. المرابط، الإطار العالي بوزارة المالية ولاعب كرة القدم البارع في شبابه ضمن فريق شباب الريف الحسيمي وآخرين... وهناك حكاية ظريفة يجب أن تحكى لها ارتباط وثيق بالطالب آنذاك ع. بورجيلة...

قرر تلاميذ قسمي في كوليج يعقوب المنصور الغياب يوما عن إحدى المواد الدراسية لسبب ما، مما أغضب مدير المؤسسة التعليمية وقرر معاقبتنا بفرض اصطحابنا لآبائنا إلى مكتبه لتنبيه أولياء أمرنا حول عصياننا وتحمل مسؤولية معاودة الأمر... يا إله، كيف لي أن أطلب من أبي الحضور إلى الثانوية أمام المدير تحت حجة غيابي عن حصة دراسية؟ كان ذلك مستحيلا خاصة أنني كنت أحترم أبي كثيرا وأوقره وهو الذي ينتظر من أولاده التعلم والنجاح حتى يصبحوا في وضع اجتماعي أرقى... فكرت طويلا واهتديت إلى مفاتحة ومطالبة الطلبة الريفيين خاصة الطالب بورجيلة إلى مصاحبتي إلى مدير المؤسسة عوض أبي وكان طويل القامة مهاب الشخصية... ذلك ما كان، لكن ماذا وقع في مكتب المدير؟

لما دخلت مع الطالب بورجيلة إلى مكتب المدير، باغته الأخير بسؤاله عن اسم ونسب ابنه التلميذ، المشكل أنه أمام دهشة اللحظة نسي الطالب بورجيلة اسمي الشخصي حيث كان يناديني دائما باسمي العائلي الريكي... كانت ثواني حرجة، المدير ينتظر الجواب و"أبي" الطالب بورجيلة حيران وأنا أنظر إليهما لا أعرف ما العمل، فجأة نطقت "الريكي عبدالحق" أمام دهشة الجميع وما كان من "أبي" المفترض أن باغتني بضربة فوق خذي قائلا لي: كيف تتجرأ على الكلام أمام السيد المدير؟ لقد بدد هذا الصراخ في وجهي شكوك المدير عن هوية مرافقي ومر اللقاء عاديا ورجعت إلى القسم... لكن الطلبة الريفيين كانوا دائما يتذكرون ما وقع في ذلك اليوم ويسقطون على قفاهم من قوة الضحك... ذكريات الصبى لا تمحى...  

اتركوني الآن أحدثكم عن بعض أساتذتي بكوليج يعقوب المنصور الذين بفضلهم تعلمت الكثير. كانوا مختلفين في نهجهم وتعاملهم داخل القسم ولكن كانوا كلهم يتفانون في عملهم... أتذكر بعضهم، بدءا بأستاذ الرياضيات الفرنسي، ذو الشخصية القوية والذي كان لا يمل من إعادة شرح الدروس مرارا حتى يفهم التلاميذ المعادلات الرياضية، كنت قريبا منه لأنني كنت من بين التلاميذ المتفوقين في مادة الرياضيات. كان يطلب منا الوقوف كل صباح أمام المرآة لنقول بصوت عال "أريد أن أصبح وزيرا" وأتذكر أنه قال لي يوما أن مستقبلا زاهرا ينتظرني وأنني سأصبح وزيرا يوما ما... أحدثكم عن سنة 1972 وعمري لم يكن قد تجاوز الاثنى عشر... بطبيعة الحال لم أصبح وزيرا بعد، لكني تقلدت سنوات خلت مهمة مدير ديوان في الحكومة الثانية للسيد عبدالرحمان اليوسفي... هل يمكن أن نعتبر تنبؤ أستاذ الرياضيات صائبا؟ أترك الحكم لكم وأنصح الشباب والتلاميذ أن لا يضحكوا حين يقال لهم قفوا كل صباح أمام المرآة وقولوا بصوت مرتفع، أريد أن أصبح.....

كما كان لنا موعد مع مادة الرسم، ولا أدري إن كانت هذه المادة أصبحت في خبر كان أم ما زالت حاضرة في مناهج التعليم العمومي... وكان لنا الحظ أن أستاذة الرسم مغربية شابة وجميلة تتقن الفرنسية وتتحدث بصعوبة الدارجة... وأتذكر أن عيون كل التلاميذ لا تفارق وجهها وكلماتها وجمالها خلال ساعات الرسم... كما لن أنسى أنه خلال أول لقاء لنا بها طالبتنا بكتابة نص حول ما توحي لنا به رسوم الإنسان البدائي بالكهوف والمغارات... أظن أنها أُعْجِبَت بما كتبته حينها، رغم فرنسيتي المتوسطة، وخاصة فكرة كون تلك الرسوم ترشدنا إلى كيف كان يعيش الإنسان البدائي وعن الحيوانات والنبات المحيط به وتخوفاته... منذ ذلك اليوم وأنا أعشق أستاذة الرسم ومن تم أصبحت مهتما بفن الرسم وكل الفنون وكنت رغم صغر سني من المداومين على قاعات المعارض التشكيلية يومها بالرباط التي كانت تعيش نهضة ثقافية مميزة على جميع الأصعدة....

من ضمن أساتذتنا كان أحد أشهر المعلقين في كرة القدم، والذي كنا نطالبه كل اثنين أن يعيد لنا تفاصيل المقابلة التي كان موفدا لها يوم الأحد في إطار "الأحد الرياضي" للإذاعة الوطنية، كان أستاذا ممتازا يشرح مادته بسلاسة ويتعامل مع تلامذته بصرامة ولكن برفق وأدب... أيضا كان هناك أستاذ مادة الفرنسية، اليهودي المغربي، الذي تعلمنا على يديه الكثير والذي كان يحكي لنا ونحن ننصت له مشدوهين عن تحرر المرأة في أوربا وخاصة في بلدان الشمال كالنرويج والدانمارك... وعلى ذكر مادة الفرنسية، علي أن أحكي لكم واقعة طريفة وقعت لي مع أبي وأفراد العائلة في أحد الأيام حيث كنا ذاهبين إلى قضاء بعض الوقت بصومعة حسان وإذا بأحد السياح الفرنسيين يسألنا عن اتجاه هذه المعلمة التاريخية، التفت إلي أبي وطلب مني التحدث مع الفرنسي ظنا منه أن بضعة أشهر بأحد الثانويات بالرباط ستمكنني من أن أصبح "فرنسيا" كما هو الحال بالنسبة للعديد من الرباطيين، أتحدث عن النطق السلس والسليم للغة موليير...

تلعثمت وبقيت صامتا لا أدري ما أقول وماذا أفعل، أبي من جهة يمتحنني والفرنسي ينتظر أن أرشده... لم أنطق بأي شيء، اختلطت بذهني كلمات يمينا وشمالا بالفرنسية مما أدى بأبي إلى استعمال بعض مفردات من اللغة الإسبانية لتوجيه السائح الفرنسي الذي لا أدري إن فهم شيئا مما قاله له أبي. وكانت المفاجأة بعد ذهاب السائح هي الصفعة التي أعطاها إياي وهو يقول لي: هل تعرف لماذا جئنا إلى الرباط، لكي تتعلم الفرنسية لأنها لغة التفوق المدرسي والإداري... رحمه الله، كانت هذه هي المرة الثانية التي ينهرني فيها في حياته، وكانت بالنسبة لي درسا بليغا حيث ستبقى كلماته موشومة في ذهني إلى الأبد...

حصلت في نهاية دراستي بكوليج يعقوب المنصور على أعلى النقط في المواد العلمية مما أهلني أن ألتحق بشعبة العلوم بثانوية الحسن الثاني لمتابعة دراستي وكانت فرحة أبي وعائلتي كبيرة خاصة أنه تم الاحتفال داخل الكوليج بالتلاميذ المتفوقين وتم إهداء كتب كثيرة وقيمة لهم وكان من حظي الفوز بكتاب "معذبو الأرض" لفرانز فانون الذي لم يفارقني خلال صيف ذاك العام وأنا أستعد لمغامرات جديدة في ثانويتي الجديدة رغم فراق أصدقائي بكوليج يعقوب المنصور... منذ صغري وأنا أغير المدارس والثانويات كل سنتين أو ثلاث... كل مرة كان علي أن أتأقلم مع جو جديد وأصدقاء جدد... هذا قدري، البحث الدائم بإمكانياتي الذاتية عن فرض وجودي والدفاع عن أرائي ومواقفي بجرأة وحرية واستقلالية... لكن المغامرات مع المدرسة العمومية لم تنته بعد وهو موضوع حلقتنا المقبلة مع ثانوية الحسن الثاني وخاصة الثانوية المشهورة مولاي يوسف...