ابراهيم الحيمر

 تمكن المغرب يوم الثلاثاء الماضي من التوقيع على اتفاقية الصيد البحري مع الاتحاد الأوربي بعد مفاوضات طويلة وعسيرة ساهم فيها كل من الهيأة الديبلوماسية والبرلمانيون من مجلس النواب ومجلس المستشارين وكذلك مكونات المجتمع المدني بما في ذلك مهنيو القطاع المنحدرون من الأقاليم الجنوبية إذ تعبأ الجميع لمحاولة إقناع أزيد من 700 برلماني أوربي لتحفيزهم على التصويت لصالح الاتفاق.

وعسر هذه المفاوضات وإيجاد الصعوبات في الإقناع لم يكن مرتبطا بتقنين الشروحات التقنية للملف بقدر ما كان بسبب الأبعاد السياسية المحيطة به حيث أنه كان لخصوم وحدتنا الترابية حضورا قويا في الساحة الأوربية بغية التأثير على مواقف أعضاء البرلمان الأوربي ودفعهم للتصويت ضد الاتفاق عن طريق تقديم أطروحات زائفة ولا تمت بصلة للحقائق.

من هذا المنطلق، وفي مثل هذه الظروف، فإن التصويت على اتفاق الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوربي من طرف برلمان هذا الأخير يمكن اعتباره نجاحا باهرا حققه المغرب خاصة وأن الفرق كان شاسعا وبلغ 106 عضو بين من صوتوا لفائدة الاتفاق وعددهم 310 عضو ومن صوتوا ضدهم وعددهم 204 عضو. كما أن المصوتين على الاتفاق ينتمون إلى مختلف الدول الأوربية ولهم إنتماءات سياسية متنوعة بما في ذلك الأحزاب اليسارية واليمينية والإشتراكية والليبرالية والخضر وغيرها.

غير أن هذا النجاح الباهر الذي حققه المغرب، قابله في الجهة الأخرى لدى الخصوم فشل ذريع خاصة بالنسبة للجزائر التي لم تذخر جهدا لمنع هذا التصويت وعبأت لهذا الغرض إمكانيات مادية وبشرية هائلة كان الأفيد لها تسخيرها في خدمة تنميتها الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق الرفاه لمواطنيها الذين يئن جزء كبير منهم تحت وطأة الفقر والبطالة والحرمان وهم يرون أموالهم تبدر في قضايا لا تعنيهم لا من قريب ولا من بعيد.

وهذا الفشل الذريع الذي تكبدته الجزائر على الصعيد الأوربي المرتبط بملف الصيد البحري ينضاف إلى سلسلة من الهزائم تلقتها في معارك أخرى نذكر من بينها اختيار المغرب مؤخرا كعضو للمجلس الدولي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وهو ما اعتبر ردا للمجتمع الدولي على الجزائر التي كانت تستعمل ورقة حقوق الإنسان للنيل من سمعته. وفي نفس الاتجاه وقبل هذا وذاك تكبدت كذلك الهزيمة الكبرى على الجبهة الإفريقية التي شهدت فيها تراجعا كبيرا خلال السنوات الأخيرة وهو الأمر الذي تم الإقرار به عند تعيين رمضان العمامرة على رأس الديبلوماسية الخارجية لاستثمار علاقاته الجيدة مع بعض الدول الإفريقية التي كان يشغل فيها منصب ممثل لدى الأمم المتحدة. وفي مقابل هذا التراجع، استطاع المغرب أن يعزز مواقعه في العديد من الدول جنوب الصحراء معتمدا في ذلك على تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والمالية والثقافية والإنسانية الخاضعة لمنطق رابح - رابح وليس لمنطق الاستغلال السياسي لفرض الهيمنة بالمنطقة كما تطمح إلى ذلك الجزائر عبر تقديم الأموال لفائدة الحكام الأفارقة دون شعوبهم.

إن هذه السلسلة من الهزائم لن تزيد الحكام والمسؤولين الجزائريين إلا شراسة في الهجوم والبحث عن أوراق أخرى لتضييق الخناق على المغرب والنيل من سمعته في جميع المحافل الدولية. وعليه، فإن المفاوض المغربي في جميع الملفات مع الخارج مطالب بالتصدي لهذه الهجمات بمناسبة أو بغير مناسبة من أجل تحقيق الأهداف التنموية المبنية أساسا على الانفتاح على الخارج الذي شرع فيه منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي.

صحيح أن هذا الوضع أملي على المغرب ولم يكن بمحض اختياره على اعتبار أنه مكلف جدا ويتطلب يقظة كما يتطلب تعبئة موارد مادية وبشرية هامة. إلا أن أهميته يجب أن لا تكون موضوع نقاش إذ أنها بدأت في تصحيح أخطاء ارتكبت في الماضي في النصف الثاني من السبعينات والثمانينات وبداية التسعينات التي شهدت سباتا للديبلوماسية الخارجية المغربية استغله خصوم وحدتنا الترابية لترويج وتمرير أطروحاتهم الزائفة حول قضية الصحراء المغربية في مختلف مناطق العالم خاصة في إفريقيا وأمريكا الجنوبية وأوربا ولاسيما في أوربا الشرقية والدول الإسكندنافية.

غير أنه بالموازاة مع التصدي للحملات الجزائرية المعادية للمغرب في الخارج، يجب استثمار الحضور القوي للديبلوماسية الخارجية لخدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر بلورة وتطوير الديبلوماسية الاقتصادية التي تروم استقطاب الاستثمارات الأجنبية وجلب السياح بالإضافة إلى اكتشاف منافذ جديدة للمنتوجات المغربية.