عبد القادر الحيمر

من المقرر أن ينظم مجموعة من طلبة  الأقسام التحضيرية للمدارس العليا للاقتصاد والتجارة وقفة احتجاجية يوم الاربعاء المقبل أمام مقر وزارة التربية الوطنية في محاولة منهم لإثارة انتباه الرأي العام إلى مخاطر حرمانهم من الحق في تحصيل الشواهد العليا التي يرون أنفسهم أهلا للحصول عليها بجدارة واستحقاق، ومن غير المستبعد أن يكون لهذه الوقفة صداها في أوساط الطلبة الذين، من مواقعهم المختلفة، يرون بأن الإدارة لم تنصفهم وفرضت عليهم مواجهة متطلبا ت الجمع بين كلفة المعيشة وكلفة الدراسة، كل حسب إمكانياته المادية.

مهما اختلفت المواقع، فإن المنظومة المعتمدة في تحديد من يحق له أن يستفيد من المنحة ومن لا يحق له ذلك، لا تعني الطلبة وحدهم وإنما تعني كل من له غيرة على الوطن ويسعى فعلا إلى تأهيل الأجيال المقبلة لمواجهة التطور المتسارع لنمط العيش ولآليات تدبيره والتحكم فيه، فإذا كانت العديد من الدول العظمى قد عمدت مند عدة عقود إلى التمييز بين عامة الشعب الذين يخضعون لقوانين تظهر بشكل جلي في نظام تأشيرات دخول هذه الدول، وبين الكفاءات والمهارات التي غالبا ما تكون موضوع إغراءات مادية ومعنوية من أجل التجنس، فإن المغرب الذي حقق تراكمات لا يستهان بها لا خيار له غير الاهتمام بالعنصر البشري إن هو أراد أن يحافظ على مكتسباته ويطور مؤهلاته ويحسن موقعه بين مصاف الدول.

إن مصطلح "المنحة" لا ينطبق في الواقع على المبالغ المالية التي تصرف على الطلبة لمساعدتهم على استكمال دراستهم، فما يصرف عليهم هو استثمار في المستقبل، لأن من لا يؤمن بالاستثمار في الموارد البشرية لا يحق له أن يحتل موقعا تقريريا  في منظومة التعليم بكل أسلاكه وتخصصاته، وحتى إن قبلنا مجازا بمصطلح ''منحة الاستحقاق'' فإن الأمر يقتضي التمييز بين منحة تصرفها مقاولة أو هيئة غير حكومية، وبين المنحة التي تصرف من المال العام، فكما أن المقاولات التي تقدم منحا تختار عدد الممنوحين حسب حاجياتها من الموارد البشرية ومجالات التخصص لتؤمن لنفسها إمكانية تحسين موقعها بين منافسيها وشركائها، فإن الدولة، التي يقع على كاهلها إنفاق ما تحصله من ضرائب مباشرة وغير مباشرة، في المجالات التي تكون أكثر مردودية على كافة المستويات الأساسية، وخاصة ما يرتبط منها بالجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أولى باعتماد منطق الإنصاف عندما يتعلق الأمر برسم استراتيجية تكوين الأطر العليا، وفي حالة المغرب فإن المسؤولية تبدو جلية إذا ما استحضرنا التراكمات التي جعلت من المغرب دولة تغري جامعاته ومعاهده العليا العديد من الطلبة الأفارقة، فسواء تعلق الأمر بتقوية مكانة المغرب في مجال التكوين والتكوين المستر أو في مجال توفير حاجيات المقاولات من الموارد البشرية، فإن معالجة ملف المنحة لا يمكن أن تكون عادلة ومنصفة إلا إذا خضعت لمعايير موضوعية وشفافية.

في الرسائل التي سبق أن توصلنا بها من الطلبة ونشرنا مضامينها كان من الواضح أن حالة الإحساس بعدم الإنصاف في تحديد من يحق لهم أن يستفيدوا من المنحة، منتشرة في أوساط الطلبة المغاربة بمن فيهم الذين تفوقوا في دراستهم وصاروا مؤهلين لنيل شهادات عليا، وقد يكون أضعف الإيمان أن تقدم الحكومة الشروحات الكافية لتبرير موقفها، فالطلبة الذين حصلوا على نقط عالية في مواد علمية يستعصي استيعابها، سوف لن يجدوا أية صعوبة في استيعاب طرح الحكومة، وإذا كان هذا الطرح مقنعا فإنهم أول من سيمتثل له، أما إذا لم يكن كذلك فإنهم لا يعدمون المقترحات الكفيلة بالتوصل إلى حلول تساهم في الرفع من الموارد الموجهة لتمويل الاستثمار في البحث العلمي وفي تكوين الطر، ويكفي أن يتم الأخذ برأيهم والعمل به إن كان مقنعا.