عبد القادر الحيمر

سيقوم صاحب الجلالة الملك محمد السادس ابتداء من يوم الثلاثاء 18 فبراير الجاري ، بزيارتين رسميتين لكل من جمهورية مالي وجمهورية غينيا كوناكري، وبزيارتي عمل وصداقة لكل من جمهورية الكوت ديفوار والجمهورية الغابونية، ومما لا شك فيه أن التحرك الملكي في القارة الإفريقية في هذه الظرفية بالذات يكتسي أهمية بالغة، ليس فقط بالنسبة للمغرب وللدول التي ستستقبل جلالة الملك ولكن كذلك بالنسبة لدول الجوار وللدول التي لها مصالح كبرى في القارة الإفريقية وخاصة منها الأوربية والأمريكية فضلا عن الصين وروسيا وتركيا، فالمغرب الذي نسج علاقات سياسية وإنسانية قوية مع الدول الإفريقية صار يمثل بالنسبة للعديد من الهيئات الدولية التي تعمل على إعادة الاستقرار في القارة الإفريقية، مخاطبا يحظى بثقة مراكز القرار في إفريقيا ويمكنه أن يلعب دورا جوهريا في تدليل الصعاب التي أنتجت الصراعات العرقية والانتهاكات الصريحة لأبسط حقوق الإنسان وأجهزت على العديد من المكتسباتَ.

ما تنتظره شعوب القارة الإفريقية من الزيارة الملكية كثير، ولكن الأوليات تشمل استعادة الأمن والاستقرار ولمّ الشمل، ورغم أن هذه الانتظارات أكبر من أن تكون في متناول أي دولة مهما كانت قوتها إلا أن ارتباط المغرب بجدوره الإفريقية أعطى ثماره الأولى على عدة مستويات بما في ذلك المساعدات الإنسانية والعمل على تقريب أوجه النظر بين الأطراف المتنازعة والمساهمة بتجريدة عسكرية في القوات الأممية العاملة في افريقيا.

من المحقق أن المغرب لا يعتمد في علاقاته السياسية مع الدول الإفريقية على البترودولار، ولكنه يعتمد استراتيجية قائمة على إقرار علاقات ثنائية مربحة لكل الأطراف، وقد لقي فتح تمثيليات في دول إفريقية لمجموعة من كبريات المقاولات المغربية كالخطوط الملكية المغربية واتصالات المغرب وبعض البنوك، ترحابا كبيرا من طرف مختلف الدول التي استقبلت استثمارات مغربية، كما أن جودة الخدمات والمساهمة في كافة جوانب الحياة بما فيها الثقافية والدينية زادت من رغبة الأفارقة في توطيد علاقات التعاون مع المغرب.

من المحقق أن إغلاق الحدود البرية بين المغرب والجزائر يحد من قدرات المغرب على المساهمة في تقوية التعاون المنتج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة والمتقاسمة، ولكن ما لمسه الأفارقة الذين زاروا المغرب، من أمن واستقرار وتنمية اقتصادية واجتماعية زاد من قناعتهم بنجاعة الرهان عليه وعلى الانفتاح الذي جعل منه صلة وصل بين إفريقيا وباقي دول العالم. إن المناخ السياسي والاقتصادي يوفر الكثير من فرص الرفع من مستوى التنمية والتعاون، ولكن المعيقات الموضوعية والمفتعلة أفرزت وضعا يفرض حماية المكتسبات بإقامة مشاريع تنموية تزيد من حجم الاستثمار المباشر ومن حجم المبادلات التجارية.

إن اعتراف التقارير الدولية بالخصوصية المغربية في مجال مكافحة الإرهاب وبتنوع أنشطته الاقتصادية أهله لأن يكون وسيطا بين الكثير من المستثمرين الأجانب الذين يريدون الحصول على نصيبهم من معدل النمو المرتفع الذي توقعت تقارير أهم المؤسسات الدولية التي يؤخذ برأيها عند اتخاذ القرار الاستثمار تحقيقه في إفريقيا ، وإذا كان الوضع الحالي يشجع على المزيد من الاستثمار المغربي في قطاع الخدمات بدول القارة الإفريقية فإن تبادل السلع، الذي يعطي للتعاون دلالاته الحقيقية وتكون له انعكاسات مباشرة على نوعية العيش، يصطدم بغياب خطوط بحرية تؤمن الربط بين الموانئ الإفريقية وميناءي الدار البيضاء وطنجة المغربيين، وهذا الغياب الذي تستغله بعض الشركات في رفع كلفة الشحن في اتجاه إفريقيا إلى ما قد يزيد عن ضعف قيمها بين باقي الموانئ العالمية، يساهم بدوره في انتشار المجاعة بالقارة السوداء وفي حرمانها من الحصول على التجهيزات التي تؤمن لها التوفر على البنيات الأساسية الضرورية لخلق المناخ الاستثماري الملائم.

لقد تعودنا على أن تكلل زيارات جلالة الملك للدول الشقيقة والصديقة بتدليل العديد من الصعاب وبفتح منافذ جديدة أمام المزيد من التعاون المثمر، فمن يريد حقا للقارة الإفريقية أن تتغلب على مخاطر الإرهاب والنزاعات العرقية والجوع والفقر فليس أمامه إلا أن يصفق لمثل هذه الزيارات وأن يدعمها بقرارات مكملة كل في مجال اختصاصه، فإفريقيا التي غرقت في المشاكل لاتزال تتوفر على مؤهلات تجعل منها نقطة جذب لأنظار المتحكمين في القرار السياسي والاقتصادي.