عبد القادر الحيمر 

استضاف التلفزيون الجزائري يوم الأربعاء 5 مارس 2014 الوزير المنتدب المكلف بالشؤون المغاربية و الإفريقية في الحكومة الجزائرية، مجيد بوقرة، وكالعادة تكلم المسؤول الجزائري بأسلوب انتقى فيه من المصطلحات والوقائع ما يضع قادة الجزائر في موقع المظلومين المدافعين عن أنفسهم والمغرب في موقع المتحامل على الجزائر، وحتى بالنسبة للأسئلة المرتبطة بامتناع الجزائر عن فتح الحدود البرية فإن الأجوبة كانت ملتوية ولكنها مع ذلك حملت ما يفيد بأن محاولات سنوات 2000 و 2005 و 2011 لم تكتمل لأن الجزائر كانت تريد تسوية كل المشاكل القائمة على الصعيد الثنائي قبل التوجه نحو فتح الحدود.

إن مجرد استضافة قناة تلفزيونية لوزير وفسح المجال أمامه ليكرر الطرح الجزائري بشأن نزاعها مع المغرب يحمل في طياته ما يؤكد أن "الورقة المغربية" لاتزال تعتمد في السياسية الداخلية الجزائرية كمبرر لكل القرارات التي تلقى معارضة داخلية، وبعد أن كثرت حالات المعتقلين من بين المتظاهرين المعارضين لترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة وبدأت بعض الصحف الجزائرية تتحدث عن الاستهزاء الغربي من الجزائر، فقد صار من المعتاد أن يبحث الإعلام الجزائري عن موضوع يستقطب الاهتمام وبقلل من التوتر الداخلي.

تصريحات من هذا المستوى، في هذه الظرفية بالذات، تحمل في طياتها ما يؤكد أن الجزائر تربط كل عمل وحدوي باعتلائها كرسي زعامته، فبعد أن فشل مخطط فصل الصحراء عن الوطن الأم وتحولت "البوليساريو" إلى عبء تقيل ومصدر لإنعاش الأعمال الإرهابية، فإن الوضع الداخلي الجزائري لم يعد يسمح بالمزيد من التحمل خاصة أن كل محاولات إقصاء المغرب من الهيئات الإفريقية، وحصر حدود القارة الإفريقية في الحدود الغربية للجزائر، تكسرت أمام الاستراتيجية التي اعتمدها المغرب على الواجهتين الداخلية والقارية، فما حققه المغرب من توازنات ماكرواقتصادية ومن تنوع في الأنشطة الاقتصادية مهد لنسج علاقات ثنائية تجعل من الدول الإفريقية شركاء في التنمية البشرية المستدامة والمتقاسمة وتجعل من المغرب صلة وصل متميزة بين إفريقيا وباقي القارات.

كل من يتمعن في الفوارق القائمة بين الاستراتيجيتين المغربية والجزائرية لا يجد صعوبة في التمييز بين الخطاب القائم على افتعال النزاعات وبين الخطاب الذي يسعى إلى تدليل الصعاب والبحث عن حلول تعود بالنفع على البلدين وتؤسس لقيام مجموعات اقتصادية مؤهلة لمواكبة منطق التكتلات الذي عم أرحاء العالم وتعثر في المغرب العربي الكبير.

إن مشكلة الجزائر الحقيقية تكمن في كونها خضعت لنظام سياسي يراهن على التسلح وعلى اقتصاد الريع المبني على مداخيل المحروقات، ورغم أن خطابها السياسي الحالي يعترف بأن النزاع مع المغرب يضيع على دول المنطقة نقطة أو نقطتين من معدل النمو، ويتبنى شعارات ومشاريع تعد بالتفتح على دول الجوار وعلى المنطقة الإفريقية، إلا أن منجزاتها تؤكد بأنها حققت تقدما ملحوظا في مجال التسلح، وهو تقدم قد يكون الشعب الجزائري أول ضحاياه على غرار ما وقع في ليبيا، ولكنها أضاعت العديد من الفرص التنموية وفشلت حتى في توفير المناخ الذي يؤهلها للانضمام للمنظمة العالمية للتجارة، التي لا يمكن الرهان على تحرير المبادلات التجارية بدونه.

من المرجح أن يحتل النزاع الجزائري المغربي الذي طال عدة عقود مكانة بارزة في الحملة الانتخابية للرئاسيات الجزائرية، ومع أن كل المؤشرات توحي بأن النتيجة محسومة ولا تحتاج إلا لإضفاء الشرعية عليها، فإن ما يواجه الجزائر من مخاطر، بفعل فقدان قدراتها على تصدير المحروقات وتزايد حاجياتها إلى تلبية المطالب الاجتماعية الملحة وخاصة ما يرتبط منها بالشغل والسكن اللائق والاستقرار الأمني، سيكون أحد المحفزات القوية على تخصيص قسط من الحملات الانتخابية للعلاقات الجزائرية المغربية وخاصة ما يرتبط منها بفتح الحدود. إن الأمر لا يتعلق بغالب ومغلوب وإنما برابح ورابح، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.