عبد القادر الحيمر

لم تتحقق المعجزة، ولم يفز فريق الرجاء البيضاوي بكأس العالم للأندية البطلة، ولكن تحقق الكثير مما يستدعي استخلاص الدروس والعبر، ليس فقط على المستوى الرياضي ولكن كذلك على باقي المستويات التي لم بعد بإمكانها الانفصال عن الرياضة، وعن كرة القدم بشكل خاص.

على المستوى الرياضي تجاوز فريق النسور الخضر كل التخوفات التي سادت قبل انطلاق المنافسات، لقد أبان عن قتالية عالية جعلت أنصاره يزدادون فخرا به ويستعيدون الفرجة التي افتقدوها مند عدة سنين، وحتى أنصار غريمه التقليدي فريق الوداد البيضاوي تهافتوا وتحملوا من أجل مناصرة الرجاء، أما عامة الشعب فكان من الواضح أن عدم تنقلهم إلى اكادير أو مراكش لم يعفهم من متابعة كل مباريات الرجاء عبر التلفزة إما في المقاهي أو في البيوت، فالرجاء البيضاوي الذي لعب نهائيات كأس العالم ظهر بوجه مختلف تماما عن الرجاء الذي يخوض مباريات البطولة الوطنية.

الرقي السريع بمستوى اللعب لا يمكن تفسيره فقط بتغيير المدرب لأن المدة التي قضاها البنزرتي مع الفريق غير كافية لإدخال تغييرات جوهرية على مستوى الفريق مهما كان هذا المدرب عبقريا، وأول ما يمكن استخلاصه من هذا المعطى هو أن فريق الرجاء البيضاوي، مثله مثل باقي الفرق المغربية، قادر على أن يتطور ويتأقلم مع المناخ المحيط به إذا ما أحيط بالعناية التي يستحقها، فكما أن الرجاء البيضاوي واجه الدهشة والخوف وتغلب على كل ما يقلل من سمعته وكفاءته، وأبان للعالم الرياضي بأنه ليس باللقمة السائغة وإنما هو فريق قادر على أن يهزم أقوى الفرق البرازيلية ويفرض على أنصارها الاكتفاء باللجوء إلى السوق السوداء من أجل بيع التذاكر التي كانوا من السباقين إلى اقتنائها بدل الاستمتاع بنشوة مناصرة فريقهم في المباراة النهائية ولم لا بهستيريا الفوز بالكأس. فإن، ما حققه هذا الفريق في فترة وجيزة على أرضية الملعب تعزز بالمناخ العام الذي ميز مجريات كل المباريات، سواء داخل الملاعب أو في الساحات العمومية أو في البيوت، فنوعية التنظيم ومستوى الحماس، حملا ما يؤكد مكانة كرة القدم في المغرب، وما يؤكد أن الملاعب مهما ارتفعت قدراتها الاستيعابية لا يمكنها أن تلبي رغبات جمهور اضطر إلى شراء التذاكر في السوق السوداء بأسعار تراوحت بين 1200 و 3000 درهم أي ما قد يصل إلى معدل الأجر الشهري، من اجل متابعة المباراة النهائية.

إن مرور ثاني أهم تظاهرة رياضية عالمية بعد تظاهرة كأس العالم للفرق الوطنية، في جو يجمع بين ما هو رياضي وبين ما هو تأطيري وتنظيمي وترفيهي يفرض على كل من سبق لهم أن ساهموا بشكل أو بآخر في حرمان المغرب من استضافة كأس العالم للفرق الوطنية أن يراجعوا مواقفهم وأن يعترفوا بأن في هذا الموقف حرمان لكرة القدم من كسب مواقع جديدة بالقارة الإفريقية التي أصبحت محط أنظار كل المتحكمين في القرار السياسي والقرار الاقتصادي، فسواء تعلق الأمر بنوعية الجمهور، أو بنوعية الملاعب أو بباقي البنيات من فنادق وطرق ومطارات، أو تعلق الأمر بمستوى الأمن والتنظيم، فإن المغرب أبان عن جاهزيته ليكون في الموعد وليوفر للوافدين عليه أكثر مما يمكن أن توفره باقي الدول المنافسة، وهذا الواقع يعززه الموقع الجغرافي المتميز للمغرب، وتعززه الاستراتيجية التي اعتمدها في مجال النقل الجوي والتي أسفرت عن تحويل مطار الدار البيضاء إلى نقطة تلاقي جل الخطوط الجوية التي تربط أهم المطارات العالمية بالعديد من المطارات الإفريقية، أما مستوى البنايات الفندقية ونوعية الخدمة المقدمة بها فلا شك أن أطر الفيفا ومعهم اللاعبون الذين تعودوا على التنقل عبر القارات الخمس أولى بالإقرار بأن ظروف الإقامة بالمغرب توفر إمكانية الاستمتاع بخدمات عالية الجودة مصحوبة بالمناخ المعتدل وبالتنوع الجغرافي وبانخفاض كلفة المعيشة مقارنة مع الأجور المعمول بها على مستوى الدول التي يمكن مقارنتها بالمغرب.

أما على باقي المستويات فيظهر جليا أن ما راج في الجمع العام الانتخابي لتجديد المكتب المسير للجامعة الملكية لكرة القدم من ممارسات تسيئ للعبة وللمغرب لم يكن لها أي وقع على السير العادي لمنافسات البطولة العالمية وعلى تحويل فريق الرجاء البيضاوي إلى فريق يحظى بدعم وتعاطف كل المغاربة، فالتسيير الذي أفرز الخوف من كبريات الفرق العالمية وقلل من مكانة اللاعبين المغاربة بمن فيهم الذين يستقطبون اهتمام مسيري العديد من الفرق الأوربية والعربية تكسر أمام الروح الوطنية التي جعلت من الجمهور المغربي دعامة قوية لفريق الرجاء البيضاوي، وقد آن الأوان لاختيار مكتب مسير في مستوى طموحات المغرب وقادر على الرقي باللاعبين وبالبطولة الوطنية إلى نفس المستوى الذي ظهر به النسور الخضر في البطولة العالمية للأندية الفائزة بالبطولة.

الجانب الآخر الذي لا يمكن التقليل من أهميته يتمثل في أن مجريات البطولة العالمية التي احتضنتها كل من أكادير ومراكش كان لها الوقع الاقتصادي والتجاري الكبير على العديد من القطاعات، بل إنها أحيت ذكريات افتقدها الجمهور المغربي وذكرت بمجموعة من الرياضيين الذين رفعوا راية المغرب عاليا، فهنيئا للرجاء البيضاوي بالفوز بالميدالية الفضية وهنيئا للمغرب بالفوز بالفرصة الذهبية، فرصة اتباث جدارته واستحقاقه لاستضافة تظاهرات عالمية في كافة الميادين السياسية والاقتصادية والرياضية والثقافية والترفيهية.