كريم حميدوش – الرباط

وجه العاهل المغربي رسالة واضحة إلى القائمين على الشأن التعليمي بضرورة تغيير طريقة التعاطي مع الملف الموكول إليهم واعتماد الجدية ولا شيء آخر أساسا لتدوير العجلة والمضي قدما.

الملك لم ينتظر إقرار الحكومة للنصوص المنظمة للمجلس الأعلى للتربية و التكوين والبحث العلمي كما جاء في الوثيقة الدستورية، بل وعمد إلى الخطوة الأولى في سبيل إعادة تفعيل المجلس الأعلى للتعليم القائم حاليا في صيغته القديمة، والذي غاب نهائيا عن الأنظار، ربما لانتظار تعيين خلف للمستشار الملكي الراحل الأستاذ مزيان بلفقيه أو ربما للفراغ من تشييد مقره الجديد...

ينتظر في الخطوة القادمة أن نشهد من جديد حراكا أو تهافتا على بلورة تصور جديد وخطة بديلة أو متممة لما عرف قبل أربع سنوات بالمخطط الاستعجالي. والمسؤولون المغاربة، الذين عودونا على المناسباتية، و لارتجال والتسرع، مدعوون منذ خطاب الملك ليوم 20 غشت 2013 وقبل هذا التاريخ بكثير إلى الإنصات إلى كافة الفاعلين و لى رأسهم الأستاذ والتلميذ والطالب.

يمكن أن يقرأ الخطاب الملكي، في قسمه الذي انتقد تقصير الحكومة الحالية في الاستفادة من التراكمات الإيجابية التي وجدتها في الساحة، عدم رضى عن تدبير الوزير محمد الوفا للملفات المكدسة (مجازا) على مكتبه. وهو بالضبط الرضى الذي يحتاجه هذا الأخير للاستمرار في كرسيه، و ربما هو نفسه الذي سيكون سببا في تنحية الوفا من منصبه وتعويضه بشخص آخر ستحدده المفاوضات التي لاتزال قائمة أو انتهت، بين ابن كيران ومزوار حول التشكيلة الحكومية
 "ابن كيران 2.0".

للإحاطة بهذا الموضوع بشيء من الشمولية ينبغي التطرق ابتداء لكيفية تدبير المخطط الاستعجالي واستعجال الوزير محمد الوفا في الإجهاز على كثير من أوجهه، دونما إغفال للطريقة "المبدعة" لتسيير الوزير الوفا لوزارة التعليم ذات الميزانية الأعلى بين باقي الوزارات (إذا ما استثنينا ميزانية وزارتي المالية و الداخلية التين تتضمنان تسجيلات لمداخيل ومصاريف غير متعلقة بجانبي التسيير والاستثمار الخاصين بهما). كما ستمر السطور اللاحقة بشيء من التأني حول أهم الإخفاقات التي كان التعليم وإصلاحه في المملكة حقا في غنى عنها من حيث إنها كانت سهلة التلافي، والتي ينبغي عدم تكرارها من أجل صياغة تصور إصلاح قابل للحياة.

I. المخطط الاستعجالي: كيف جاء و كيف توقف

سرعت التقارير المتعاقبة حول تدني مستوى قطاع التعليم بالمملكة بإقرار مخطط بديل للإصلاح اختير له مسمى المخطط الاستعجالي، في تناغم تام بين الدال و المدلول، للتعبير ربما عن قناعة رسخت بأن الأمر لم يعد يحتمل التأخير، فالميثاق الوطني للتربية و التكوين وجد صعوبات بالغة في إرساء دعاماته. الهوة بين ما ينبغي أن يكون و ما هو موجود على الأرض كبيرة. لكن، بدل أن يعمد وزير التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي ساعتها إلى توسيع حلقة النقاش، استغل الإمكانيات المحتملة جدا للتمويل السخي وطلب من أحد مكاتب الدراسات –على عجل- إعداد خطة الإصلاح، وهي ما عرف من بعد بالمخطط الاستعجالي 2009 – 2012 الذى صادفت السنة الأولى من تولي الوزير محمد الوفا زمام الأمور سنته الأخيرة.

كانت سنة 2008 نقطة تحول كبير في النظرة الرسمية لملف التعليم الذي كان الجميع يعتقد، واهما أو على مضض، أنه بخير، وأنه ما هي إلا سنوات قلائل حتى تؤتي جهود تنزيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين أكلها.

توالت بعدها التقارير الدولية والداخلية لتؤكد وصول التعليم بالمغرب للباب المسدود، لانتهاجه أساليب عفا عليها الزمن بحسب منطوق تقرير البنك الدولي لذات السنة، وهو التقرير الشهير بتصنيفه للمنظومة التعليمية المغربية في أسفل سافلين.

لقد كان للخوف من السكتة القلبية عظيم الدور في التسريع باعتماد خطة طوارئ لإصلاح شيء المفروض أن يتم إصلاحه على مكث... و من هنا بدأت المشاكل...

شكلت الاعتمادات المرصودة للمخطط الاستعجالي سابقة في مجال الميزانية المخصصة للميدان. فقد أجبر التعليم المغربي منذ اعتماد برنامج الإصلاح الهيكلي أواسط الثمانينات على الاكتفاء بأقل ما يمكن رصده من اعتمادات، باعتباره قطاعا غير منتج جهلا بأن الانتاجية ليست دائما تقاس بالمردودية الآنية و النقدية.

و هكذا، نسي الجميع عذرا قديما طال تكراره على كل الأسماع بمحدودية الموارد و قلة ذات اليد، وانطلق البرنامج بصرف الاعتمادات يمينا وشمالا على نحو قريب من الهدر والتبديد العشوائي على مشاريع هنا وهناك داخل شبكة المخطط الاستعجالي.

تطلبت المرحلة آنذاك تجاوز البنية الهيكلية للوزارة التي أقيمت سنة 2002 و تشمل عشر مديريات، لتفرخ هذه الأخيرة عددا يفوق عدد الأولى بقليل سميت المديريات المكلفة. مما أدى إلى تضخم البنية المركزية بشكل مقصود بغية تسهيل تدبير مشاريع وتدابير المخطط الاستعجالي.

ربما من المشروع طرح التساؤل عن حجم الجهد والطاقة التي تم تسخيرها لبلوغ الأهداف ومدى التناسب والملاءمة بينهما. والجدير بالقول إن السنوات التي تلت بينت بجلاء أن تضخم البنية جاء بآثار عكسية مردها إلى الكلفة الهائلة (دون الحاجة في الخوض في التفاصيل) والتداخل في المهام والاختصاصات، وكأن الوزارة تشتغل ببنيتين تنظيميتين في الوقت ذاته مع عدم صلاح أي منهما منفردة لتفي بالغرض، فكيف الحال إذا ما تم دمجهما؟

من المؤسف أن ينصب العمل على إصلاح ميدان التربية والتعليم إلى الشق المادي (على أهميته) على حساب الجانب التربوي الذي يعتبر حجر الزاوية.

فبدل أن ينصرف الاهتمام إلى تغيير بنية منظومة تكوين وتأهيل الموارد البشرية تم توسيع شبكة مراكز التكوين وتم الاحتفاظ بالفترة القياسية التي يتم فيها التكوين في إغفال تام لكونها غير كافية. وعوض أن تعتمد التعددية في الكتاب المدرسي على أساس اختيار الأصلح من طرف الأستاذ، تم اعتماد التعددية التجارية بفرض نوع من المراجع والكتب المدرسية على مؤسسات بمراسلة رسمية لنيابات الوزارة. وبدل أن تنقح المناهج ويعاد النظر في توزيع التعلمات على المستويات و الأسلاك بشكل علمي مدروس، مضت الوزارة إلى الاهتمام بشكل الكتب وتمرير مقترحات مناهج دون تدقيق في مدى ملاءمتها لدفاتر التحملات التي تحدد الشروط والمواصفات الواجب توفرها.

لقد رصد المخطط الاستعجالي في إطار واحدة من أهم نقطه، قسما هاما من الاعتمادات التي تم تسخيرها له لتوسيع العرض المدرسي وبناء مؤسسات تعليمية جديدة، لكنه أغفل في الوقت ذاته وضع آليات ضمان تحقيق الأهداف، فتخلفت الوزارة عن الوفاء بما تم التعهد به من بناءات، لأنها ببساطة لا تتوفر على البنيات الإدارية و التقنية المؤهلة لتدبير هذا الكم الهائل من الأشغال، ولم نسمع إلا مؤخرا بفكرة ترحيل الخدمات من خلال تكليف الجهات المختصة بمجالات تخرج مبدئيا عن اختصاصات الوزارة.

في مسألة البناءات مثلا كان الأولى أن تطلب المساعدة التقنية لمصالح وزارة التجهيز و النقل التي لازالت تشرف على إدارة أوراش البناءات الكبرى بتقنية و احترافية، وهو الأمر الذي لم يؤخذ به.

لقد توقف المخطط الاستعجالي بعد انقضاء مدته، بحسب تقرير المفتشية العامة للوزارة، دون كبير أثر على المنظومة التعليمية من حيث الأهداف التي رصد من أجلها. وهذا لا يعدو إلا أن يكون وجها من أوجه الإخفاق.

شكلت الفترة الموالية بتولية حكومة السيد عبد الإله ابن كيران نقطة فاصلة جديدة فيما يخص أمور عدة بالبلاد من أبرزها ملف التعليم. فقد داهمت الانتخابات المبكرة المخطط الاستعجالي في سنته الأخيرة بأن ولت على رأس الوزارة وزير ذا طباع خاصة.

من المستحيل تناول الحديث عن محمد الوفا، المستشار الجماعي والبرلماني والسفير ثم الأستاذ الجامعي في الاقتصاد، دون الإقرار بأنه شخص استثنائي بكل المقاييس.

فها هو يباشر مهامه بحركية واضحة، من حيث عدد ساعات مكوثه بمكتبه التي لا تقارن أبدا مع سابقيه (المباشرين)، و من حيث جولاته الخاطفة و الغير المكلفة التي تقوده مرتين في السنة على الأقل لأكاديميات المملكة الستة عشر حيث يترأس مجالسها الإدارية.

من الطبيعي أن يشوب عمل الرجل سلبيات و إيجابيات معا، لكنه من المستهجن الوقوع في أخطاء من الممكن تلافيها بسهولة.

وعد الوفا كثيرا، و أخلف أحيانا. فهو من رجال التغيير وسط حكومة تدعي انها جاءت لتغير للأفضل. فكان أن أبقى على البنية المزدوجة الموروثة عن سابقيه كما هي، فلا هو تقدم بمشروع جديد يبغي مراجعة التنظيم الهيكلي لوزارته، و لا هو عاد ليلغي المديريات المكلفة (و التي يحلو للبعض تسميتها بالعشوائية لافتقارها للأساس القانوني لتكون مديريات عادية).

من الغريب أن تباشر التغيير في مجال بنفس الفريق الذي جاء مع المخطط الاستعجالي و تنتظر النتائج، و هذا على ما يبدو أحد أكبر أخطاء الوزير محمد الوفا. الوفا الذي قال إنه وجد التعليم في البلاد قد انحرف كثيرا، و أن التغيير فيه لم يتعد المسميات... و أنه قادر على تصحيح المسار.

من الاستثناءات التي طبعت عمل الوزير الجديد، عدم تعيينه لأعضاء في ديوانه كمستشارين يعملون كفريق مصاحب له، يشرف كل منهم على ملف معين.

الأمر الذي يمكن فهمه وليس تفهمه باعتبار المشاكل التي كان يواجهها مع قيادة حزب الاستقلال الجديدة و التي توجت بطرده، لا يبرر كيفية اشتغال وزير غير ملم بالقطاع الذي يتولى هو حقيبته دون فريق مصاحب يختاره بمحض إرادته، و يترك قراره عرضة لما يقترحه الفريق المشكل لمديري الوزارة و كاتبها العام.

للديوان دور ثانوي، لكن مهم. و الوفا بإغفاله لهذا الجانب، الله يعلم لماذا بالضبط، ساهم في استحقاقه للوم الملكي. هذا الاستنتاج قد يبدو متسرعا، لكنه له ما يبرره إذا ما تم ربطه بالطابع الصارم لشخصية الوفا و ضعف مبادرة الفريق الإداري المقرب منه.

بالرغم من صرامته و قسوته الواضحة أحيانا، فإن الوزير محمد الوفا يمتاز بإيجابيات لا يمكن إنكارها. فله القدرة على الحسم، و الجرأة في اتخاذ قرارات غير سهلة، كما أنه محاور بارع، يميز في كلامه و نبرة خطابه بين المسؤول بالوزارة و النقابي و الزائر العادي أو الموظف. في عهده، وإن كان الفضل يرجع للحكومة السابقة، لم تحرز النقابات أي نقطة جديرة بالذكر على حساب الوزارة. بما ينذر بأن زمن التنازلات قد ولى.

تمكن الوفا في وقت قياسي من وضح حد لإضرابات القطاع من خلال حزمه في مجاراة القرار الحكومي القاضي بالاقتطاع من أجور المضربين، كما تمكن من المساهمة في استقرار المنظومة من خلال الحرص على جدولة زمنية ملزمة لإجراء عمليات الحركات الانتقالية.

استطاع الوفا تخفيض الفاتورة الكبيرة لبعض النفقات الزائدة عن الحاجة و أولها الملايين من الدراهم التي كانت تنفق كل سنة على تكاليف تنقل و إيواء المرافقين للوزير إلى اجتماعات المجالس الإدارية للأكاديميات.

استطاع الوفا، و لو جزئيا أن يؤسس لثقافة الفصل بين القطاعين العمومي و الحر في التعليم، بأن قام بالخطوة الأولى في اتجاه التمييز التام في الموارد البشرية بين القطاعين.

كلها كانت بدايات موفقة، تمكن الوفا من القيام به بكل جرأة و تصميم، لكنها كانت لتكون أكثر لو طرق بمثل القوة أبوابا أخرى.

محمد الوفا كان مطالبا بفتح ملفات أولى بالاهتمام، وهي الأعمال التي لم يقم فيها بشيء لحد الساعة:

أولها ملف التنظيم الهيكلي للوزارة و موقع الأكاديميات في المنظومة التربوية. يمكن القول إن غياب الرؤية و القرار السياسي هي ما يمنع من إحراز تقدم.

ثانيها ملف الموارد البشرية، التي وعد الوفا، عند قدومه بتغيير النظام الأساسي الخاص بها، من خلال إعادة النظر في كثرة الأطر و تنوعها و تفاوتاتها.

ثالثها ملف المناهج التعليمية، و تنظيم الإيقاعات الدراسية، و الأسلاك، و التخصصات والمسالك. لم يدر الوفا أي نقاش حول جوهر الملف التعليمي و هو المناهج و المحتويات.

يمكن الحديث على هذه النقطة بمزيد من التفصيل، لكن الاكتفاء بالفكرة العامة أيضا جدير بالاهتمام، حيث يمكن القول بأن الوفا في تدبيره للمسألة التعليمية، ظل مهتما بالشكليات ولم يلامس بما يلزم من عمق كنه و جوهر الملف الذي هو في عهدته.

II. إصلاح التعليم: الخطاب و التصور:  خطوات لا بد منها:

أكبر وزارات المغرب عددا و عدة و جاها... إنها وزارة التربية الوطنية التي تكاد تكون الممثل الوحيد للدولة في أقصى بقاع التراب الوطني. هي إلى جانب الشبكة الموسعة من المدارس والوحدات المدرسية بالقرى و الدواوير النائية، شبكة إدارية أساسها المركزية و اللاتركيز، تجسدها المصالح المركزية بالرباط، و مصالح لا خارجية بالعمالات و الأقاليم، مع دور مشوب بالضبابية لمؤسسات عامة من نوع خاص: الأكاديميات الجهوية للتربية و التكوين.

 تحتاج البنية الإدارية أو التنظيم الهيكلي للوزارة بمستوياتها الثلاث إلى إعادة نظر. فالتغييرات و المستجدات التي تطرأ، تفرض تغيير البنيات. عندنا بالمغرب، حيث القدرة على التأقلم ليست من أدوات الإشراف المقرب على العمل، و لا من اختصاصات المسؤولين المباشرين، من المفروض على المصالح التقنية المختصة إعداد مشروع مرسوم التنظيم الهيكلي بما يخدم حاجات القطاع من وراء المصالح المركزية.

على خلاف ما هو معمول به سابقا، حيث تتجلى الذاتية و الحسابات الضيقة، ينبغي العمل على إقرار بنية تنظيمية مخففة، تبتعد عن التعقيد و تتلافى التداخل في المهام بين مصالح الوزارة المختلفة كما هو حاصل اليوم. ينبغي أن يكون المسار الذي يقطعه ملف معين واضحا و قصيرا، حيث تتولى الوحدة الإدارية قسطها من العمل بشأن ملف ما وفق مسطرة محددة.

بالرغم على وضوح النصوص الأساسية، تشتغل الوزارة اليوم من خلال بنيتها المركزية على مئات الملفات التي يفترض أن تعالج على مستوى الأكاديميات أو مصالح هذه الأخيرة بالأقاليم والعمالات التابعة لنفوذها الترابي: النيابات الإقليمية.

ينبغي أن يتوقف تدخل الوزير في تعيينات نواب مديريي الأكاديميات (الذين يعتبرهم الوزير نوابا له ضدا على القانون 07.00 الواضح في هذا الباب)، كما ينبغي أن يقتصر اختصاص الوزير والمصالح المركزية التابعة له على اختصاصات المديريات الكبرى التي ينبغي تقليص حجمها وتدقيق اختصاصاتها. و قد راكمت الوزارة ما يكفي من تجربة لرصد الأخطاء التي تشوب النموذج القائم حاليا و وضع تنظيم هيكلي يتجاوزها (الأخطاء).

في وزارة التربية الوطنية، ينبغي دمج المديريات المكلفة بالموارد البشرية و المالية والمعدات في مديرية واحدة، كما ينبغي التمييز بين المديريات المتخصصة مثل المديرية المكلفة بالمناهج (العمودية) و الشاملة (الأفقية) مثل الشؤون القانونية مثلا. ينبغي كذلك أن تطور المراكز المحدثة (المركز الوطني للامتحانات أو المركز المكلف بالتجديد التربوي مثلا) بما يسمح بضبط تدخلها و الرفع من نجاعتها من خلال تمكينها من بنيات مواكبة تابعة للأكاديميات الجهوية للتربية و التكوين.

ينظم الأكاديميات الجهوية للتربية و التكوين القانون 07.00 الذي أقل ما يمكن القول عنه إنه أضحى متجاوزا. فلا النصوص المكملة له رأت النور كلها (خاصة المرسوم المتعلق بنظام مستخدمي الأكاديميات) و لا النموذج الذي اقترحه للمؤسسات العمومية الستة عشر تم تطبيقه بأمانة.

هناك من يرى اليوم بأن الأكاديميات بصيغتها القائمة لا تشكل إلا وجها من أوجه تبذير المال العام. و هو رأيه و إن شابه بعض المغالاة و التعميم القاتل للحقيقة، فإنه له ما يبرره من أوجه الممارسة على أرض الواقع.

لا يمكن أن تستمر تجربة الأكاديميات دون أن يعيد الإطار القانوني الناظم لها النظر في اختصاصاتها و في هيكليتها، و أن تصير النيابات تابعة كليا لها. لا بد من أن يمتلك مجلس إدارة الأكاديمية صلاحيات حقيقية، تشمل على غرار ما هو معمول به في مؤسسات عمومية أخرى إقرار نظام خاص بالمستخدمين و تعديل المخططات التنظيمية لها أو للنيابات التابعة لها كلما اقتضى الأمر ذلك. و الحديث عن مؤسسة عمومية "عالة" على سلطة الوصاية من حيث الموارد المالية يجر لضرورة التفكير في مد الأكاديميات الجهوية للتربية و التكوين بما يكفي من موارد أغلبها ذاتي. و هو الأمر الذي يمكن توفيره من خلال تقديم خدمات مؤدى عنها. (المصادقة على الشهادات، الترخيص لمؤسسات التعليم الخاص، حقوق طبع المقررات الدراسية، اقتراح دورات تكوينية مؤدى عنها ...)

 تحتاج الأكاديميات الجهوية للتربية و التكوين، من أجل البقاء، إلى أسباب النجاعة والفاعلية. و هو ما يتطلب إرادة سياسية قوية، تسمح بأن يتخلى المركز عن احتكار تدبير ملفات لا مبرر لأن تشغل المصالح المركزية و تثقلها. أول هذه الملفات ملف الموارد البشرية التي سيساهم إلحاقها بالأكاديميات في حل العديد من المشاكل.

أهم انتقاد وجه للمخطط الاستعجالي هو اهتمامه بالماديات على حساب المكون التربوي. وللخروج بتصور متكامل حول فكرة الإصلاح، لا مناص لأي محاولة من الاهتمام بنفس القوة بالمحاور الثلاثة التالية: من يدرس، و ماذا ندرس، و أين و كيف ندرس. بمعنى آخر، هل نحن أحوج ما نكون للمدرس الجيد، أم أننا محتاجون أولا للمنهاج السليم، أم أن الظروف العامة أهم، أم أننا نحتاج لكل هذه النقط مجتمعة؟

أولى المحاور بالاهتمام هو هذا. و هو يتضمن كل متعلقات العاملين بالقطاع، و هم يزيدون في تنوعهم عن عشرين صنفا من الموظفين، يمكن ببساطة تجميعهم في أي نص قانوني بمثابة نظام أساسي لموظفي الوزارة في أربعة أطر: المدرس (المهام التعليمية التربوية في مختلف الأسلاك بما فيها التبريز) والمتصرف (المهام الإدارية سواء بالمؤسسات التعليمية أو بمصالح الأكاديميات أو بالمصالح المركزية) و التقني (المهام التقنية بمصالح الوزارة و الأكاديميات و كذا المؤسسات بمن فيهم محضرو المختبرات مثلا) و المفتش (مهام المراقبة والإشراف التربوي وفي التخطيط والتوجيه وكذا مراقبة المصالح المالية والاقتصادية). هذا التجميع مفيد جدا، لأنه سيسمح في إطار التوجه العام في الوظيفة العمومية بتجميع الأطر بتوحيد نظم الترقية و تقليص الفوارق بين الأطر المتشابهة.

لا معنى للنظام المعمول به في الترقية و الذي لا يربطها بالمردودية. ينبغي تشجيع البحث التربوي، من خلال ربطه بالترقية، كما ينبغي إعادة النظر في آليات التكوين، بحيث يصير مفتوحا ومتجددا، يمكن في أي وقت (وفق نظم و أسس مدروسة) للأستاذ الالتحاق بالدورات التكوينية للرفع من أدائه.

تعد نقطة الحركة الانتقالية حجر الزاوية في ما يخص استقرار المنظومة التربوية ككل. عدم الرضى عن ظروف العمل عامل سلبي مؤثر على المردودية. مع انسداد أفق الحركة الانتقالية لغياب إمكانية استيعاب المزيد من الأساتذة الجدد في بعض المدن (إن لم نقل كل المدن)، يبقى التفكير في حلول بديلة ملحا. من بين هذه الحلول تشجيع الأساتذة على الاستقرار في مقرات العمل صعبة الظروف عن طريق منح تعويضات مالية إضافية. (و هو الأمر الذي لا يعفي الدولة من تحمل مسؤولياتها في تحقيق تنمية مستديمة بالمناطق المهمشة و المنسية)

بعد الحديث عن من الذي يدرس، يأتي هنا الحديث عن ماذا ندرس؟

تحتاج المناهج الدراسية إلى إعادة نظر عميقة و شاملة. عدم تمكن التلميذ الذي ينهي المرحلة الابتدائية من تحرير فقرتين أو ثلاث بلغة فرنسية أو عربية (و هنا الكوارث الحقيقة) سليمة مؤشر على عدم جدوى المنهج الحالي في تدريس اللغتين، حيث يتم التركيز على القواعد اللغوية معزولة عن السياق اللغوي كأداة للتواصل أولا و يتم إهمال تطوير ملكات التخاطب و التعبير الكتابي. هذا مثال واحد، و هلم جرا في ما يخص باقي المواد و محاور التدريس و التعليم.

يبقى المؤشر الآخر الأخطر، و هو التهافت المحموم على الغش في الباكالوريا، يدق ناقوس الخطر. إنه دليل على إفلاس المنظومة التربوية ككل، و على رأسها طبيعة المنهاج التعليمي المعتمد، المرتكز على التلقين و الاسترجاع و تنمية النمط الواحد عوض التشجيع على الخلق والابتكار.

كلما انتهجنا طرق تدريس تراعي المتعلم و تجعله مركز كافة مكونات المنهاج التعليمي التعلمي، كلما تمكنا من الرفع من جودة التعليم و تمكين المتعلم في نهاية مشواره التعليمي قبل إحرازه لأهم الشهادات (الباكالوريا) واثقا من نفسه مستعدا لمعالجة الاختبار الذي يطلب منه اقتراح حلول لمسائل باستخدام باقي مراقي صنافة "بلوم" عوض استظهار ما حفظه ربما دون فهم.

إن هذا المجال، الذي هو أكثر من غيره، محتاج لعمل الخبراء و اجتهاد المختصين، مفتاح تطوير التعليم و الرفع من أدائه، الذي قد يستعيد به التعليم العمومي بريقه الذي فقده.

تستدعي فكرة النهوض بالجانب المادي والبنية التحتية، نقطتين اثنتين:

أولهما هو التفكير في مدى اعتماد سياسة القرب في بناء المدارس. وهو الأمر الذي ينبغي الاعتراف معه بخطأ الفكرة القديمة القائلة بتقريب المدارس بشكل مبالغ فيه من التجمعات السكنية البعيدة والمتفرقة، مما شكل في حينه ولا يزال تشتيتا لمجهودات لو جمعت لكانت أعطت أكلها. هنا لاحت فكرة المدارس الجماعاتية التي ينبغي تشجيعها و توفير شروط النجاح لها.

ثانيهما توفير الشروط اللازم تحققها في المؤسسة التربوية من مرافق وتجهيز.

حقق المخطط الاستعجالي خطوات مهمة في هذا المجال، و تمكنت العديد من المؤسسات التعليمية من الاستفادة من الإصلاحات و تجديد تجهيزاتها (أو توفير بعضها لأول مرة). إلا أن المخطط ذاته، لم يضع بالحسبان شروط التتبع و ضمان تحقق الأهداف، حيث بلغت نسب الأشغال المتأخرة وغير المنجزة نسبا كبيرة في بعض المناطق، لافتقار الوزارة وأكاديمياتها للعدد الكافي من المختصين في تدبير هذا الكم الهائل من البناءات (نسبيا مع الأخذ في الحسبان أن ميزانية البناءات بالوزارة كانت هزيلة في السنوات السابقة للمخطط الاستعجالي).

المطلوب إذن الاستفادة من الأخطاء السابقة و التفكير جديا في تكليف جهات مختصة بالإشراف على مشاريع البناءات، ضمانا للجودة وحرصا على احترام الآجال وربما حفاظا على المال العام من الإسراف والتبذير.

خلاصات لا بد منها:

دور المجلس الأعلى للتعليم: بديل استراتيجي أم ضمان للاستمرارية

وجود المجلس الأعلى للتعليم كمؤسسة استشارية يفتح الباب أمام الكثير من التساؤلات عن مدى أهمية الدور الذي ينبغي أن يلعبه هذا الأخير.

هذا المجلس، على غرار المجالس المشابهة، مطالب بالاكتفاء بوضع الخطوط العريضة للسياسة التعليمية بالبلاد، دون التدخل المباشر في الأعمال المنزلة لها بإصدار التعليميات أو التطبيق المباشر على الميدان.

            هذا الكلام الذي يبدو للوهلة الأولى اختزاليا لدور المجلي الرئيسي، ليس كذلك في الواقع، لأن وضع و تسطير السياسة التعليمية في بلد ما، يتطلب:

  • تسيير و تنظيم نقاش عمومي حول السياسة التعليمية؛
  • تبني التصور النهائي لهذه السياسة و إقرارها بعد المصادقة عليها من السلطات العليا (رئيس الدولة أو البرلمان أو الاستفتاء الشعبي، بحسب طبيعة النظام السياسي)
  • مراقبة عمل الوزارة (وزارة التربية الوطنية) من خلال التدخل في صياغة النصوص الناظمة لعملها و خاصة تنظيمها الهيكلي و العلاقة بينها و بين الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين (الحالة المغربية) في إطار سلطة الوصاية و نهج اللامركزية؛
  • المصادقة (أو المشاركة في المصادقة)على معايير المنهاج التعليمي لمختلف المواد والأسلاك.
  •  ...

نجاح هذا المجلس في عمله رهين بأمرين اثنين: شمولية تمثيليته لكافة فئات المجتمع المعنية بالتربية و التكوين من جهة، و بنوعية الخبراء في المجال المعتمدين لديه من جهة ثانية.

الأمور يمكن أن تتطور في بعض الحالات ليصير المجلس بديلا استراتيجيا عن وزارة التربية الوطنية في تدبير و تنزيل بعض الملفات، وقد يصير في الحالة الأكثر تطرفا البديل الكلي للوزارة التي تحذف نهائيا من المشهد الحكومي.

بالرغم من أن الملك في خطابه لمح لإشكالية تأثير تولي حقيبة التعليم في كل مرة من طرف وزير مختلف من حيث الانتماء السياسي و تأثير ذلك على عدم استمرارية النهج الواحد للوزارة، وسارع إلى إعادة إحياء المجلس الأعلى للتعليم في صيغته الحالية في انتظار المصادقة على الصيغة الجديدة، فإنه على الأرجح لا يقصد الخيار المتطرف سابق الذكر وإنما يقصد أن تسهر جهة "محايدة ومستقلة" على تسطير السياسة التعليمية المغربية كضمان للاستمرارية وتجنب للمزاجية السياسية.