عبد القادر الحيمر

توقعت الحكومة التركية أن تنهي السنة الجارية بمعدل نمو في حدود 3,6% وأن ترتفع هذه النسبة في السنة الموالية إلى 4%، ورغم تواضع هذه المعدلات مقارنة مع معدلات النمو التي بلغت أكثر من 8% سنتي 2010 و 2012 فإن ضغط الانتخابات التشريعية المرتقبة سنة 2015 يضع حكومة رجب الطيب أردوخان، التي قادت البلد طوال 11 سنة، أمام خيارات يصعب معها التوفيق بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية التي تؤمن كسب المزيد من أصوات الناخبين، وبين الحفاض على التوازنات الماكرواقتصادية التي تؤمن استقرار البلاد والرفع من قدراتها على جلب الاستثمارات وعلى غزو المزيد من الأسواق الخارجية.

 

كانت تركيا من أكثر دول العالم استفادة من المرحلة التي أعقبت ما عرف باسم "الربيع العربي" فكونها دولة إسلامية قريبة من دول شمال إفريقيا فإنها بادرت إلى اتخاذ عدة إجراءات كان لها الوقع القوي على وضعها الاقتصادي الذي استفاد من مضاعفة حجم المبادلات مع دول المنطقة ومن جلب ملايين السياح العرب، ولكن هذا الوضع لم يعمر طويلا إذ سرعان ما تحول التعاطف مع تركيا، الممنوعة من العضوية في الاتحاد الأوربي، إلى نفور من الدولة التي بذل أن ترسم استراتيجية تقوي علاقات الشراكة التي تعود على الطرفين بالربح فإنها رسمت استراتيجية تقوم على اعتماد دول شمال افريقيا كسوق لترويج سلعها.-

الاستياء من السياسة التركية تجلى بشكل خاص في الموقف المصري الذي اتهم الرئيس المخلوع محمد مورسي بإغراق السوق المصرية بالمنتجات التركية وبتعريض المقاولات المصرية إلى منافسة غير متكافئة مع المقاولات التركية التي تستفيد صادراتها من الدعم الحكومي، وهو الموقف الذي تنامى إلى أن ترتب عنه قبل حوالي أسبوع طرد السفير التركي من القاهرة.

هل بإمكان الرئيس التركي أن يحظى بنفس الاستقبال الذي حظي به قبل بضع سنين في تونس التي قضى بها ثلاثة أيام واستمتع خلالها بتصفيقات ممثلي الأمة أثناء إلقاء خطابه المطول داخل قبة البرلمان؟ هل بإمكان رجال الأعمال في الجزائر والمغرب أن يقبلوا بعلاقات شراكة يرفض فيها الطرف التركي الاكتفاء بالاستحواذ على الصناعات المتطورة ويمكن القطاع الخاص في باقي الدول من تحقيق بعض التقدم في القطاعات الانتاجية والخدماتية التي تساعدها على حماية توازناتها الماكرواقتصادية وخاصة ما يرتبط منها بالحفاظ على معدلات البطالة والتضخم في مستويات مقبولة؟

هذه التساؤلات وغيرها صارت مطروحة بحدة بعد أن فقدت تركيا مكانتها داخل الدول العشرين الأقوى اقتصاديا في العالم وصارت تعاني بدورها من تراجع قيمة صرف الليرة التركية بحوالي 13% ومن توجه بعض الدول، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، نحو سحب استثماراتها من تركيا. فحتى الذين يستحضرون ما حققته تركيا من إيجابيات اقتصادية من قبيل التخلص من مجموع الديون تجاه صندوق النقد الدولي التي كانت قد فاقت 16 مليار دولار سنة 2002، ومن قبيل الرهان على تخفيض العجز العمومي الذي قد يفوق 7% سنة 2013  إلى ما بين 5,3% و 6,8% سنة 2014، حتى هؤلاء يجدون أنفسهم مرغمين على استحضار التطورات التي شهدتها تركيا سواء منها الداخلية المتميزة بحجم التظاهرات التي تزامنت مع الجولة المغاربية للوزير الأول والصيغ التي اعتمدت في تفريقها، أو تلك المتمثلة في ردود فعل رجال الأعمال في مختلف دول شمال أفريقيا التي كانت مقاطعة الاتحاد العام لمقاولات المغرب للبعثات التركية نموذجا صارخا عن رفض تحويل التعاطف الشعبي مع تركيا إلى ورقة لتحقيق التوسع التركي في شمل إفريقيا على حساب المستثمرين المحليين.

فباستثناء ليبيا التي تواجه وضعا سياسيا غامضا، فإن باقي دول شمال أفريقيا تعيش على إيقاع الإعداد لانتخابات من المرتقب أن تحد من هيمنة الأحزاب المتعاطفة مع الحزب الحاكم في تركيا، وإذا ما تحقق هذا السيناريو فإن تركيا التي تواجه منافسة سياسية قوية في الشرق الأوسط ستكون مرغمة على مراجعة خياراتها الاقتصادية تجاه الدول التي يمكن أن تعتمد عليها في الحفاظ على مكتسباتها، فالتعاطف العربي الذي رفع معدل النمو في تركيا إلى ما يزيد عن 8%  قادر على أن يخفض هذا المعدل إلى أدنى المستويات إن هو تحول إلى كراهية، وإلى أن تعرف نتائج الانتخابات المرتقبة في كل دولة فإن تركيا مطالبة بكسب ثقة شركائها في شمال أفريقيا.