محمد مونشيح

هل حقوق الإنسان دوليا مجرد تعويذات أدبية وأخلاقية؟ هل يمكن اختزالها في لعبة أعطني -أعطيك ؟ هل تحولت من قيم نبيلة وكونية إلى إيديولوجية صراع فعالة وهائلة ؟ هل قدر دبلوماسية حقوق الإنسان الانكسار أمام دبلوماسية المصالح أو ما يسمى بدبلوماسية دفتر الشيكات ؟ ألم تتحول إلى آلية جهنمية للتسييس والزبونية ؟ ألا تقدم المصالح القومية على حكاية حقوق الإنسان ؟ألم يلخص "بيرنار كوشنير" وبنبرة حزينة، في "الكي دورساي "، ذلك قائلا :"هناك تناقض دائم بين حقوق الإنسان والسياسة الخارجية للدول، يقع هذا حتى في فرنسا!".

حقوق الإنسان والعلاقات الثنائية:

 

يجزم "بيرتران بادي" أنه كلما اقتربنا من العلاقات الثنائية، كلما اقتربنا بدون شك من المصالح الملموسة، وابتعدنا في نفس الوقت عن الإحالات المعيارية لحقوق الإنسان، إن الحديث علانية عن الحق في التعبير والتظاهر، أو انتخابات حرة مع الشركاء يكون كالمشي على البيض، خصوصا عندما يكون هؤلاء المخاطبين زبناء كبار أو موردين مهمين. لا مكان للإحالة على حقوق الإنسان في علاقات ثنائية، أو لإنجاز قسري من أجل هدف كهذا، لأن أي استعمال للقوة يجعل الشريك متطرفا أو منكفئا على ذاته أو عدوانيا.

كما لا يمكن الجمع بين القوة والإحالة على حقوق الإنسان أو إدماج الاحتكاك بالترويج لحقوق الإنسان، لأن ذلك يؤدي إلى نتائج مقلوبة، سيما وأن العقوبة تؤدي من لا يتحمل المسؤولية.

لذلك تعمل الدول على إيجاد صيغ للتنسيق الصعب بين المجهود الشامل للمشاركة في الترويج لحقوق الإنسان كقيم كونية والعلاقات الثنائية، ودمج دعم المقاولات في الخارج ومبادلاتها مع سياسة حقوق الإنسان، عبر إيجاد توليفات من قبيل أن التبادلات الاقتصادية هي التي تسهل الانفتاح السياسي في" بكين"، وأن التبادل التجاري معها سيؤدي يوما ما إلى تغييرات سياسية، مع الاقتصار على توجيه النقد بشكل رمزي، هذه هي العقيدة غير الرسمية لألمانيا في علاقتها بالصين، التي تستند على كلمة السر( التغيير بالتبادل التجاري )"wadel druch handel"، كما لو أن الأمر يتعلق بعناية تكميلية لليد الخفية ل"أدام سميت" التي تجعل من التجارة دعامة للانفتاح السياسي والاستقرار.

ثم إن الدول في إطار علاقاتها الثنائية تخشى الانتقام عندما تجد نفسها في مواجهة الدول المنتهكة للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، لقد سبق وعبر" ألان جوبي " عن ذلك بطريقة أخرى : "...العلاقات الدولية هي كما هي : هناك حكومات في السلطة، ونشتغل نحن مع هذه الحكومات، هكذا هي الأمور إذن !"، إن مجموعة من القوى تتخوف بأن لا يكون لها مخاطبين أو شركاء ضمن المجموعة الدولية المعاصرة إذا وظفت متطلبات حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي يتعارض مبدئيا مع فكرة اللعبة الدولية.

حقوق الإنسان والعلاقات الاقتصادية:

ويقع تأكيد انكشاف  حقوق الإنسان دوليا كلعبة سياسية، إبان انتخابات الجمعية العامة التي تضم 139 دولة لأجل ولوج لجنة حقوق الإنسان، إذ حصلت كل من روسيا والصين وكوبا والعربية السعودية على أصوات قياسية، علما أنها لا تحترم جيدا حقوق الإنسان، لأن التصويت تم لاعتبارات اقتصادية وسياسية، إذ علقت ذة. " "Alexendra Noesseloff"على ذلك : "الاعتراض على ترشح الصين أو عدم التصويت عليها (رغم أنه تصويت سري ) هو مخاطرة بضياع أسواق"، لقد سبق وحصلت فرنسا من "ليبيا معمر القذافي" على عقود بأرقام فلكية، مقابل تجاهل سجلها الحقوقي، وسبقه موسم الغزل من قبل كل من ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية.

في المقابل يرى آخرون أن بعض المفاوضات التجارية الدولية أخدت بعدا حقوقيا، إذ أن رغبة الصين في الانضمام للمنظمة العالمية للتجارة دفعت بها إلى التوقيع والمصادقة فيما بعد على العهد المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر عن الأمم المتحدة، وعلى بعض المواثيق الدولية الأخرى ذات الصلة بحقوق الإنسان، أي أن الصين الابن العاق للمجموعة الدولية في مجال حقوق الإنسان قبل التنازل عن تشبته المفرط بسيادته القانونية.

و في نفس السياق أضحى الانضمام للمجموعة الأوروبية مشروطا بالمصادقة المسبقة على الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان بعدما كان اختياريا.

ويبدو من خلال ما سبق، أن العامل الاقتصادي يمكن أن يتحول إلى آلية تساعد بصفة غير مباشرة للوصول لهدف الترويج لحقوق الإنسان، ولو أن هذه الآليات لا تستغل دائماً بالشكل المطلوب، لأن العامل المالي والاقتصادي سيف دو حدين ...! ويدخل ضمن المواجهة الدائمة بين منطق السوق وواجب حقوق الانسان، مادامت العولمة لا تميل حتما في اتجاه تدويل العدالة وتعزيز الحريات.

إن الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية بلغت درجة من الخطورة فرضت على الحكومات التحالف حتى مع الشيطان، سياسات تمكن كل نظام عربي أو استبدادي أن يتصرف ببلده وشعبه بالطريقة التي يشاء، لكنها في نفس الوقت تساهم في توضيح الأمور، وتعطي أسماء دقيقة لمظاهر الانحراف والاختلال ويكشف  نفاق الدول تقول " ميراي دلماس مارتي ".

 

حقوق الإنسان والعلاقات المتعددة الأطراف:

 

أكيد أن التوازنات تتغير والأطراف الفاعلة تتغير عندما نمر من المستوى الوطني إلى المستوى الإقليمي أو الدولي. لذلك يرى (بيرتران بادي ) أن دبلوماسية حقوق الإنسان لا تتحقق إلا في سياق التعددية الدولية، التي تشرك مصالح متعددة وتوازن إحداهما الأخرى، وتتهيكل حول البحث عن نظام معياري شامل أكثر ملائمة ومثالية لحقوق الإنسان، ثم إن التعددية من خلال الإقناع أو التقييد يمكن أن تصل إلى نتائج مهمة، عبر خشية العزلة في عالم مترابط، عوض الاصطدام الثنائي مع الآخر. كما أنها تزيل الشك عن كونية حقوق الإنسان بجعل المجموعة الدولية كلها المؤتمنة الوحيدة على معيار حقوق الإنسان، على أن لا يربط الدبلوماسيون الغربيون أنفسهم بحقوق الإنسان، التي أصبحت مواجهتهم سهلة باسم مواجهة الغرب، والتي تجد أهم تجلياتها في المجتمعات extra occidentale في كل من آسيا، العالم الإسلامي، إفريقيا، التي لها حساسية من مسار كهذا لتحديد حقوق الإنسان كإيديولوجيا، وكوسيلة للترويج للدبلوماسية الغربية، لاسيما عندما نستحضر رواسب الاستعمار. ولو أن  هذا الأمر قد تم تجاوزه بعدما تمت مواجهة الدول المستعمرة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث انقلب السحر على الساحر وتحول إلى شاهد إدانة على بعض تصرفات الغرب وسياسته الدولية.  

ويمكن الرهان في هذا الإطار كذلك على ما يسمى بالفضاء العمومي الدولي لأجل سد ثغرات العمل الثنائي، حيث نجد فاعلين غير دولتيين من وسائل إعلام وتواصل اجتماعي ومنظمات غير حكومية ومثقفين، أي كل الذين يشاركون بطريقة أكثر فأكثر فعالية في النقاش العالمي، مع هؤلاء الفاعلين الجدد الذين غيروا في تيبيولوجية فاعلي العلاقات الدولية، وابتعدوا عن القواعد البيسماركية للقوة، يمكن الاستعانة بهم لتعزيز المسار التعددي والترويج لكونية هذه المنظومة. 

غير أن مسألة الحياد على هذا المستوى تفرض نفسها بقوة، خصوصا أمام دعوات بنزع القداسة عنها، أو إيجاد إطار قانوني يضمن الحد الأدنى من الاستقلالية، ويوفر ضمانات الحياد لتفادي  تنازع أو تداخل مصالحها مع مصالح الجهات التي تمولها، بالإضافة إلى تحديد نوع المراقبة التي من المفروض الخضوع لها.   

لذلك فإن الوعي ببناء القيم المشتركة للإنسانية يحتاج إلى إشراك الجميع لترسيخ المسؤولية المشتركة، وتفادي هيمنة الأقوياء التي لا تخدم إلا التشرذم ولا تؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى والاضطراب.

إن المسؤولية المشتركة التي تحيل على فكرة التضامن والتبعية المتبادلة بين الدول، في غياب الوعي بوحدة المصير، وخصوصا لدى بعض القوى التي تتحمل إلى جانب بعض الشركات جزءا غير يسير في تنمية التوتر وتكثيف مظاهر الإقصاء الاجتماعي، يكرس نزعة الشك لدى المخاطبين بالرقي بحقوق الإنسان.

 على سبيل الختم

إن ممارسات هذه القوى أدى إلى الاعتقاد بنسبوية كونية هذه الحقوق، وتوظيفها ضمن سياسة الكيل بمكيالين الذي في إطاره تسوى النزاعات حسب قوة أو ضعف هذا الطرف أو ذاك، خصوصا عندما نستحضر التشريع الأمريكي الخاص بالإرهاب  والذي نزع الإنسية عن قوانينه، والقوانين الأوربية المتعلقة بالهجرة التي أصيبت بالفيروس الأمني وخلطها بين الهجرة والإجرام، أو اللجوء لما تسمح به الاتفاقيات الدولية من" تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي" ومن "هامش وطني للتقدير" كغطاء للتنصل  من التزاماتها تجاه المجموعة الدولية في مجال حقوق الإنسان كما يرى " محي الدين أمزازي ".

إن العمل في الإطار التعددي والعمل وفق منطق تدويل القانون وإشراك كل الفاعلين بما في ذلك غير الدولتيين والمسؤولية المشتركة وإضفاء طابع الإنسية على العولمة، لابد وأن يكون مقرونا بالتضامن الفعلي ليس لتقوية الإمكانات الردعية للدول في مواجهة الأخطار، بل كذلك في ارتباطها بموضوع حقوق الإنسان ...