اعتاد المغاربة على الضبابية في المشهد السياسي وعدم التمييز بين وضع الحكومة واللاحكومة الذي ساد منذ مدة طويلة مع ظهور الخلافات بين حزب العدالة والتنمية وحزب الاستقلال حول طريقة تسيير الشأن العام وتدبير الملفات والتي أدت في آخر المطاف إلى استقالة وزراء حزب الاستقلال من الحكومة. وحتى لا نتيه بين مختلف التسميات التي أصبحت توصف بها الحكومة كحكومة التصريف بالأعمال أو حكومة مؤقتة أو حكومة وزراء أو غيرها من التسميات كما يحلو للبعض إطلاقها عليها، وحتى لا نخوض في تحديد المسؤوليات عن هذا الوضع، يجب أن نعلم أن مضيعة الوقت لها تكلفة باهظة وأن المواطن هو من سيدفع هذه التكلفة كما جرت العادة بذلك.

وفي ظل هذه الضبابية، فإن الشيء المؤكد الوحيد هو أن هذه الحكومة لا تستند إلى أغلبية برلمانية وأن البحث عنها استغرق وقتا أطول من ذلك الذي أعقب انتخابات 25 نونبر من سنة 2011. ويرجع السبب في ذلك إلى قلة الخيارات المتاحة أمام عبد الإله بنكيران بسبب النتائج التي أفرزتها الانتخابات السالفة الذكر بحيث كان يتعين على رئيس الحكومة إقناع على الأقل أحد أحزاب المعارضة الثلاثة بالانضمام إلى الأغلبية وهي حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وقد أفضت المفاوضات مع هذه الأحزاب إلى استطاعته الحصول على الموافقة المبدئية والمرفوقة بشروط من طرف حزب الحمامة، الشيء الذي تطلب إجراء عدة جولات للتفاوض طبعتها الخلافات حول الحقائب وهيكلة الحكومة بالإضافة إلى البرنامج الحكومي.

لكن الأمر الذي زاد في حدة هذه الضبابية هو الشح في المعلومات الذي ميز هذه الفترة، بحيث اقتصر المواطن لمعرفة ما يجري في هذه المفاوضات على بعض الأخبار المتناثرة في وسائل الإعلام المعتمدة على بعض التسريبات من مصادر غير رسمية مما كان يسمح بتداول معلومات غير صحيحة وفي غالب الأحيان متضاربة. وتجد هذه الضبابية تفسيرها كذلك في النمط الانتخابي الذي يفرز خليطا من الأحزاب الممثلة في البرلمان يتوفر معظمها على قوة تفاوضية للانضمام إلى الحكومة مما ينجم عنه تحالفات هشة الشيء الذي يتولد عنه حكومة ضعيفة وغير منسجمة. إن هذا الوضع يمكن تفهمه وقد يحتاج إلى بعض الوقت للتغلب عليه، لكن ما لا يمكن قبوله هو أن يزعم بعض كبار مسؤولي الأحزاب المشاركة في الحكومة أن الأمور تسير بشكل عادي مبررين موقفهم هذا بكون المجلس الحكومي يعقد في وقته وبانتظام وكون الآلة التشريعية غير معطلة بالإضافة على مزاولة الحكومة لبعض المهام الأخرى. فهذه التصريحات لا يمكن لها إلا أن تعطل المسار الديمقراطي الذي خطى فيه المغرب خطوات إيجابية التي أشاد بها المجتمع الدولي في مناسبات عديدة. كما أن هذه التصريحات لا تتلاءم مع مقتضيات الدستور الجديد من أجل الحصول على حكومة قوية ومنسجمة.

إن ما يطمح إليه المواطنون وما ينتظرونه من الحكومة أكثر من ذلك بكثير. فهم في حاجة إلى تحسين ظروفهم المعيشية خاصة في مجالات الشغل والتعليم والصحة والسكن. وهذا لن يتأتى إلا عن طريق تشجيع الاستثمار الذي يحتاج بدوره إلى قرارات فعالة وحاسمة في إطار السياسات الاقتصادية المتاحة من أجل كسب ثقة المستثمرين المحليين والأجانب وكذلك عن طريق إنجاز المشاريع الكبرى في البنيات التحتية التي تساعد على نمو الاستثمار وخلق فرص الشغل. ويحتاج المواطنون كذلك إلى تنفيذ الإصلاحات الهيكلية ونخص منها بالذكر إصلاح أنظمة التقاعد والمقاصة والجبايات.

ففي ظل هذا الوضع القائم، لا يمكن انتظار ذلك من حكومة لا تستند إلى أغلبية ولا تتوفر على القوة والانسجام الضروريين للقيام بكل هذه المهام.

لكل هذه الأسباب، فإن الحكومة المعدلة التي ينتظر الإعلان عنها ابتداء من يومه الإثنين وإلى غاية يوم الجمعة المقبل وهو موعد انطلاق الدورة التشريعية الخريفية، مطالبة بتسريع وتيرة أدائها الذي عرف بطء كبيرا خلال الفترة الفائتة وحتى لا تكون أول ولاية ما بعد الدستور الجديد بمثابة الولاية الضائعة.