نجحت الحكومة في مراجعة الإطار القانوني المحدد لأسعار الأدوية الذي يعود تاريخه إلى سنة 1969 رغم الضغوطات التي شهدتها المفاوضات التي دامت حوالي 20 شهرا. إلا أن نجاح هذا الإصلاح يتوقف على تحقيق التغطية الشاملة وعلى الرفع من القدرة الشرائية للمواطنين...

صادق مجلس الحكومة يوم الجمعة 13-12-2013 على مشروع المرسوم المتعلق بتغيير نظام تحديد أسعار الأدوية الذي يعود تاريخه إلى 1969.

وقد تطلب هذا الإصلاح مفاوضات عسيرة قادها وزير الصحة الحسين الوردي ودامت زهاء 20 شهرا بسبب تشعب محاوره وتعدد المتدخلين في القطاع خاصة المصنعين والموزعين والصيادلة الذين بذلوا كل ما في وسعهم لعدم المساس بمكتسباتهم بل ولتحقيق مكاسب إضافية من خلال هذه المفاوضات. ورغم أن المرسوم الذي تم التوصل إليه شهر شتنبر الماضي لم يكن مرضيا لجميع الأطراف، فقد قرر الوزير تمريره لجعل حد لوضع استمر عدة عقود وكان من بين نتائجه ضعف الاستهلاك الفردي للمواطنين من الدواء الذي لا يتجاوز معدله 376 درهم سنويا كما صرح بذلك الوزير يوم الثلاثاء الماضي في الجلسة الشفوية بمجلس المستشارين.

وعلى الرغم من أن حقيقة ارتفاع أسعار الأدوية قد تم الكشف عنها في عدة تقارير من بينها تقرير وزارة الصحة سنة 2004 وتقرير منظمة الصحة العالمية سنة 2005 بالإضافة إلى تقارير أخرى جاءت بعد ذلك كتقرير مجلس المنافسة وتقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إلا أن التقرير الذي أنجزته اللجنة الاستطلاعية البرلمانية سنة 2009 هو الذي يرجع له الفضل في تحويل هذه الحقيقة إلى إشكال عمومي ألزم الحكومة بإدخاله في أجندة سياساتها العمومية، وساهم في ذلك بشكل كبير التقرير الذي أعدته منظمة "ترانسبارنسي".

ومنذ ذلك الحين، قامت الحكومة تحت إشراف وزيرة الصحة آنذاك ياسمينة بادو بعدة محاولات لمباشرة إصلاح المنظومة الدوائية انطلاقا من تخفيض الأسعار، إلا أنها باءت بالفشل بسبب الضغوط القوية التي مارستها الأطراف المتدخلة في القطاع حفاظا على مصالحها. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه المحاولات رغم فشلها شكلت أرضية مهدت الطريق أمام وزير الصحة الحالي الذي نجح في إتمام مشروع هذا الإصلاح الذي يمكن اعتباره خطوة مهمة في مراجعة السياسة الدوائية على وجه الخصوص وإصلاح المنظومة الصحية بشكل عام.

وخلال المفاوضات مع كافة المهنيين، تم الاتفاق على إرساء مبدأ الشفافية في تحديد أسعار الأدوية وبالتالي تمكين الراغبين في الاستثمار في قطاع الصيدلة من رؤية واضحة تحدد حقوقهم وواجباتهم. كما تم الاتفاق على تخفيض أسعار لائحة ضمت في البداية 1000 دواء لينتقل هذا العدد فيما بعد إلى 800 دواء فقط. وسيدخل هذا المرسوم المصادق عليه من طرف الحكومة حيز التنفيذ بعد مضي ستة أشهر على نشره في الجريدة الرسمية بالنسبة للأدوية الموجودة والمسوقة بالصيدليات. أما بالنسبة للأدوية الجديدة التي ستلج السوق لأول مرة، فإنها ستخضع لتطبيق هذا المرسوم مباشرة بعد تاريخ صدورها.

وبالنسبة للصنف الأول، فسوف يتم تحديد سعر الدواء بواسطة معدل أسعاره المطبقة في البلدان التالية: السعودية، بلجيكا، فرنسا، إسبانيا، البرتغال، تركيا، وبلد المنشأ. أما بالنسبة للصنف الثاني، فإن سعر الدواء سيكون الأدنى المطبق في الدول المذكورة. ومع تطبيق هذا المرسوم سيصبح العدد الإجمالي للأدوية التي خضعت لتخفيض أسعارها 1120 دواء إذا ما أخذنا بعين الاعتبار لائحة 320 دواء التي تم تخفيض أسعارها في سنة 2012 بقرار من وزير الصحة علما أن نسبة التخفيض بالنسبة لبعض الأدوية تتراوح ما بين 50و60%.

لكن وإن كانت أهمية هذا المرسوم تبدو جلية بالنسبة للمواطنين أو بالنسبة لنظام التغطية الصحية، فإن نتائجه ستبقى مرهونة بمدى تطبيق إصلاحات أخرى ضمن إصلاح السياسة الدوائية. كما أنه لا يمكن أن يعطي النتائج المرجوة دون تحقيق التغطية الشاملة التي لا تتعدى نسبتها حاليا 27% وهي نسبة جد ضعيفة بالمقارنة مع دول الجوار، وكذلك دون السعي إلى رفع القدرة الشرائية للمواطنين الذين سيظل معظمهم غير قادرين على شراء الأدوية رغم التخفيض المهم في أسعارها. 

ابراهيم الحيمر