أثارت قضية اتهام رئيس الحكومة لبعض قادة حزب الاستقلال المتعلقة بتهريب الأموال إلى الخارج بطرق غير مشروعة زوبعة سياسية إلا أنها لا تندرج في إطار برنامج ممنهج لمحاربة الفساد...

تشكل قضية الاتهامات التي وجهها رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران إلى بعض قادة حزب الاستقلال، المتعلقة بتهريب الأموال إلى الخارج مدعيا أنه يتوفر على لائحة تتضمن أسماءهم، الحدث البارز بدون منازع في المشهد السياسي المغربي في الوقت الراهن، على اعتبار أن القضية وصلت إلى المحكمة ليقول فيها القضاء كلمته ولكن أيضا لكون هذه القضية يمكن أن تكون بمثابة الانطلاقة الحقيقية لورش محاربة الفساد على الرغم من أن الحكومة ليست جاهزة لمباشرة هذا الملف الشائك لأنها لا تتوفر على القوة والانسجام اللازمين لذلك من جهة ولأن إصلاح منظومة القضاء لم يكتمل بعد إذ أن مثل هذه القضايا تتطلب قضاء قويا، مستقلا ونزيها من جهة ثانية.

وما يؤكد طرح عدم قدرة الحكومة على مباشرة ملفات الفساد هو الغياب شبه التام لإجراءات ملموسة في برنامج العمل للحد من هذه الآفة التي تنخر الاقتصاد الوطني وذلك طيلة السنتين المنصرمتين، اللتين تولت فيهما الحكومة الحالية بنسختيها تسيير الشأن العام، على الرغم من أن محاربة الفساد شكلت المطلب الرئيسي لاحتجاجات الشارع التي كانت تقودها أساسا حركة 20 فبراير إبان اندلاع ما يعرف بالربيع العربي في بعض الدول المجاورة.

وما يؤكد هذا الطرح أيضا هو أن اختيار الزمان والمكان من طرف رئيس الحكومة لم يكن ملائما لبسط مثل هذه الاتهامات حيث استغل البث المباشر عبر أمواج الإذاعة والتلفزة للجلسة الشهرية الأخيرة بمجلس النواب، المخصصة لمناقشة السياسات العمومية، لكي يعلن عن توفره على لائحة تتضمن أسماء بعض القادة من حزب الاستقلال قاموا بتهريب أموالهم إلى الخارج بطرق غير مشروعة وكأن الأمر يتعلق فقط بالاستقلاليين دون غيرهم مع العلم أنه كان بإمكانه تحريك المسطرة القانونية طبقا لما يخوله له الدستور دون اللجوء إلى الخطابات الشعبوية الني لا تهدف إلا لتحقيق بعض المكاسب السياساوية والانتخابية السابقة لأوانها. وكان يتعين عليه كذلك سلك نفس المسلك لكي يصل إلى المفسدين من كافة المشارب بما في ذلك أحزاب الأغلبية فضلا عن بعض الأشخاص غير المنتمين للأحزاب والذين كان أو ما زال لديهم نفوذ بالسلطة.

إن غياب إرادة حقيقية للحكومة لمواجهة ملفات الفساد قد يدفعها إلى محاولة البحث عن مخرج من هذا المأزق بشكل أو بآخر لطي هذا الملف وإرجائه إلى أجل غير مسمى، كما جرت العادة بذلك في العديد من الملفات المرتبطة بمحاربة الفساد. لكن إن كان ذلك يعتبر سهل المنال بالنسبة للحكومة، فإنه من الصعب عليها محو الانعكاسات السلبية التي يمكن أن تحدثها مثل هذه القضايا على مناخ الاستثمار الذي تأثر بشكل كبير بعدم وضوح الرؤية وغياب استراتيجية واضحة للاستثمار، تتأرجح بين سياسة عفا الله عما سلف وبين إثارة بعض الملفات الشائكة دون الذهاب فيها إلى أبعد حد.

ابراهيم الحيمر