بقلم: ذ. محمد المعاشي - باحث مختص في القانون الاجتماعي

الجزء الثاني

بعد أن تناولنا في مقالنا السابق كجزء أول،الحديث عن  السلطة التأديبية للمشغل في حالة الفصل (أولا)، مع الاشارة لكل من مدى وجوب احترام المسطرة القانونية(1) وكذا تحديد السلطة التأديبية للمشغل(2)، ثم تحدثنا كذلك عن الفصل الفردي (ثانيا) مع الوقوف على الفصل الفردي الناتج عن الخطأ غير الجسيم(1)، ففي هذا الجزء سنتطرق إلى كل من الفصل الفردي الناتج عن الخطأ الجسيم(2)، وكذا الاجراءات المسطرية الواجب اتباعها في حالة الفصل الفردي(3).

  1. 1.     الفصل الفردي الناتج عن الخطأ الجسيم

 إن المشرع المغربي لم يعمل على تعريف الخطأ الجسيم، في الوقت الذي عرفت محكمة النقض الفرنسية الخطأ الجسيم، بأنه الخطأ الذي يجعل من المستحيل استمرار علاقة العمل بين المشغل والأجير المخطئ.

والخطأ الجسيم هو الذي يكون في غالب الأحيان مبررا لفصل الأجير عن عمله، حيث يضفي نوعا من الشرعية على الفصل الذي يوقعه المشغل[1].

والتشريع المغربي عمل على تحديد الأخطاء الجسيمة في إطار المادتين 39 و40 من مدونة الشغل، حيث تعتبر الأكثر تضمينا للأخطاء الجسيمة، وتنص المادة 39 على أنه ((تعتبر بمثابة أخطاء جسيمة يمكن أن تؤدي إلى الفصل، الأخطاء التالية المرتكبة من طرف الأجير:

-        ارتكاب جنحة ماسة بالشرف، أو الأمانة، أو الآدب العامة، صدر بشأنها حكم نهائي وسالب للحرية؛

-        إفشاء سر مهني نتج عنه ضرر للمقاولة؛

-        ارتكاب الأفعال التالية داخل المؤسسة أو أثناء الشغل:

-        السرقة؛

-        خيانة الأمانة؛

-        السكر العلني؛

-        تعاطي مادة المخدرات؛

-        الاعتداء بالضرب؛

-        السب الفادح؛

-        رفض إنجاز شغل من إختصاصه عمداً وبدون مبرر؛

-        التغيب بدون مبرر لأكثر من أربعة أيام أو ثمانية أنصاف يوم خلال الإثني عشر شهراً؛

-        إلحاق ضرر جسيم بالتجهيزات أو الآلات أو المواد الأولية عمدا أو نتيجة إهمال فادح؛

-        ارتكاب خطأ نشأت عنه خسارة مادية جسيمة للمشغل؛

-        عدم مراعاة التعليمات اللازم اتباعها لحفظ السلامة في الشغل وسلامة المؤسسة ترتبت عنها خسارة جسيمة؛

-        التحريض على الفساد؛

-        استعمال أي نوع من أنواع العنف والاعتداء البدني الموجه ضد أجير أو المشغل أو من ينوب عنه لعرقلة سير المقاولة.

يقوم مفتش الشغل في هذه الحالة الأخيرة بمعاينة عرقلة سير المؤسسة وتحرير محضر بشأنها)).

وما تجدر ملاحظته هو أن المشرع المغربي قد ميز بين الأخطاء الجسيمة التي ترتكب خارج المقاولة أو المؤسسة وهذا يعتبر تمديد من طرف المشرع للسلطة التأديبة للمشغل،  وتلك التي ترتكب داخلها أو أثناء الشغل.

وتعتبر الصيغة التي وردت في الفقرة الأولى من المادة 39 من المدونة "بمثابة أخطاء جسيمة" كما جاء سابقا في النظام النموذجي خاصة في فصله السادس، يفهم منها أن هذه الأخطاء ذكرت على سبيل المثل لا الحصر[2]، وهذا التفسير هو الذي أخذ به المجلس الاعلى في قرار رقم 46 الصادر بتاريخ 10/2/1982[3]

كما اعتبر المشرع المغربي عدم احترام الأجير لضوابط الصحة والسلامة من الأخطء الجسيمة التي يمكن أن تؤدي إلى فصل الأجير من عمله، حيث نصت المادة 293 من مدونة الشغل على انه ((يعد عدم امتثال الأجراء للتعليمات الخصوصية المتعلقة بقواعد السلامة وحفظ الصحة، وهم يؤدون بعض الأشغال الخطرة، بالمفهوم الذي يعنيه هذا القانون والمقتضيات الصادرة في شأن تطبيقه، خطأ جسيما، يمكن أن يترتب عنه فصلهم من الشغل دون إخطار، ولا تعويض عن الفصل، و لا عن الضرر، إذا سبق إطلاعهم على تلك التعليمات وفق الشكليات المنصوص عليها في المادة 289 أعلاه)).  

إن ارتكاب الأجير للأخطاء الجسيمة الواردة في مقتضيات المادة 39 من مدونة الشغل، يمكن أن تؤدي إلى فصل الأجير، فالفصل هنا، حسب المشرع ليس إلزاميا بتطبيقه من طرف المشغل على الأجير، خاصة وأنه عمد المشرع على استعمال  عبارة "يمكن" وليس "يجب" وما يزيد تأكيدا على ذلك وهو أنه حتى إذا فرضنا أن المشغل استعجل وصمم على فصل الأجير من المقاولة أو المؤسسة، مستندا على ذلك بنص المادة 61 من مدونة الشغل، التي استعمل فيها كذلك عبارة "يمكن"، حيث تنص هذه المادة على أنه ((يمكن فصل الأجير من الشغل، دون مراعاة أجل الإخطار، ودون تعويض عن الفصل، ولا تعويض عن الضرر، عند ارتكابه خطأ جسيما))، فإنه يجب على المشغل أن يتبع مجموعة من الإجراءات التي فرضها المشرع في هذا الصدد كإجراءات مسطرية واجب تباعها، باعتبارها جملة من الضمانات التي توفر حماية عادلة للأجراء في مواجهة عقوبة الفصل نتيجة الخطأ الجسيم أو نتيجة استنفاذ العقوبات التأديبية داخل السنة، المنصوص عليها في المادة 37 من مدونة الشغل.

  1. الإجراءات المسطرية الواجب اتباعها في حالة الفصل الفردي

إذا كان في السابق عقوبة الفصل التأديبي توقع دون سابق إنذار حسب الفصل 6 من النظام النموذجي، فإن المشرع المغربي من خلال مدونة الشغل تدخل على فرض مجموعة من الإجراءات الشكلية يجب مراعاتها قبل الإقدام على فصل الأجير، وهي ضمانات وإجراءات لفائدة الأجير.

إن المشرع المغربي خول الصلاحية للمشغل في فصل الأجير من الشغل عند ارتكابه لخطأ جسيم، دون مراعاة أجل الإخطار، ودون تعويض عن الفصل، ولا تعويض عن الضرر حسب المادة 61 من مدونة الشغل، لكنه في  نفس الوقت قيد المشغل من جهة أخرى، حيث أوجب وألزم على المشغل احترام المسطرة العامة قبل فصل الأجير، من قبيل إتاحته فرصة الدفاع الأجير عن نفسه وتخويله حق المؤازرة باختياره لأحد مندوبي الأجراء أو الممثل النقابي بالمقاولة الذي يختاره بنفسه وتسليمه مقرر العقوبات التأديبية أو مقرر الفصل وتحديد شكليات التسليم مع تحديد مدد الواجب احترامها[4]، فضلا عن إقحام مفتش الشغل في حالة رفض أحد الطرفين لإجراء وإتمام المسطرة، حيث جاء في نص المادة 62 من مدونة الشغل المغربي على أنه ((يجب، قبل فصل الأجير، أن تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه بالاستماع إليه من طرف المشغل أو من ينوب عنه يحضور مندوب الأجراء أو الممثل النقابي بالمقاولة الذي يختاره الأجير بنفسه، وذلك داخل أجل لا يتعدى ثمانية أيام ابتداء من التاريخ الذي تبين فيه ارتكاب الفعل المنسوب إليه.

يحرر محرر في الموضوع من قبل إدارة المقاولة، يوقعه الطرفان، وتسلم نسخة منه إلى الأجير.

إذا رفض لأحد الطرفين إجراء أو إتمام المسطرة، يتم اللجوء إلى مفتش الشغل)).

وتحيين هذه المادة جاءت وفقا لمقتضيات الاتفاقية الدولية رقم 158 لسنة 1982 والتي صادق عليها المغرب تاريخ 7 أكتوبر 1993 المتعلقة بإنهاء عقد الشغل بالإرادة المنفردة للمشغل، والي جاء في مادتها السابعة على أنه ((لا ينهى استخدام عامل لأسباب ترتبط بسلوكه أو أدائه قبل أن تاح له فرصة الدفاع عن نفسه ضد الادعاءات الموجهة إليه، ما لم يكن معقولا أن ينتظر من صاحب العمل اتاحة هذه الفرصة للعامل)).

إن تبني المغرب لاتفاقية الشغل الدولية رقم 158 في شأن مسطرة الاستماع أصبحت واجبة وملزمة التطبيق، وخرقها من طرف المشغل لا يعتبر فقط خرق للتشريع المغربي وحده، بل خرق كذلك للاتفاقية الدولية للشغل.

كما تعتبر المادة 62 من مدونة الشغل من المستجدات الواردة في مدونة الشغل والتي أبانت عن وجود عدة مراحل يجب قطعها واتباعها قبل الإقدام على اتخاذ قرار الفصل في حق الأجير، وهي مرحلة سابقة على مرحلة توقيع الفصل، ومن ثم يمكن اعتبارها بالمسطرة القبلية[5]، لم تكن موجودة في التشريع السابق، وهذه المراحل هي:

أ‌.       مرحلة مسطرة الاستماع

يعتبر جوهر الاستماع إلى الأجير جوهر مسطرة الفصل التأديبي، بحيث أكد المشرع بصيغة الوجوب "أي إلزامية" على أن تتاح للأجير فرصة الدفاع عن نفسه عن طريق الاستماع إليه من طرف المشغل أو من ينوب عليه، (ونادرا جدا ما نجد المشغل هو من يتولى الاستماع للأجير)، بحضور مندوب الأجراء أو الممثل النقابي، وذلك في أجل لا يتعدى ثمانية أيام ابتداء من التاريخ الذي تبين فيه ارتكاب الفعل المنسوب إليه.

فضلا على أن أول إجراء يتعين على المشغل التقيد به، هو إبلاغ الأجير بالمخالفة التأديبية التي اقترفها، حتى يتسنى من إعداد دفاعه قبل الاستماع إليه، إلا أنه ما يلاحظ أن مدونة الشغل أسكتت عن تبليغ الأجير بالمخالفة المنسوبة إليه كتابة، خلاف لما هو جاري به العمل في القانون العمل المصري 12/2003  الذي ينص في المادة 64 على أنه ((يحظر توقيع جزار على العامل إلا بعد  إبلاغه كتابة بما نسب إليه...)).

فضلا عن ذلك، لقد كان المشرع المغربي موفقا في فرض قيد زمني للاستماع للأجير من طرف المشغل أومن ينوب عليه داخل ثمانية أيام أي ابتداء من اليوم الذي تبين فيه ارتكاب الفعل المنسوب للأجير.

كما أن عدم استماع المشغل في أجل داخل ثمانية أيام يسقط حقه في تحريك إجراءات التأديب الواردة في المادة 62 من مدونة الشغل، حيث يرى جانب من الفقه أن عدم تحريك المسطرة من طرف المشغل هو دليل على اقتناعه بعدم أهمية المخالفة المرتكبة والتي لا تستحق توقيع عقوبة تأديبية في حق الأجير، وهذا ما أكده قرار محكمة الاستئناف بالرباط تحت رقم 2005/15/1058 الصادر بتاريـخ 17/10/2006 والذي جاء فيه (( إن عدم الاستماع للأجير داخل ثمانية أيام من تاريخ ارتكاب الخطأ الجسيم يشكل خرقا لمقتضيات المادة 62 من مدونة الشغل، ذلك أنه متى استطالت الفترة الزمنية من تاريخ ارتكاب الخطأ الجسيم وتاريخ الاستماع إليه لمدة تفوق ثمانية أيام فإن ذلك يعتبر دليل لعدم لاقتناع المشغل بعدم ارتكاب الأجير لأي فعل يستحق عليه المساءلة التأديبية، ويعتبر في هذه الحالة قد تنازل عن حقه في الفسخ، وان عدم تحريك إجراءات التأديب داخل ثمانية أيام يسقط حقه في المتابعة)).    

لكن، ما الجدوى من مسطرة الاستماع من طرف المشغل أو من ينوب عليه والذي يعتبر خصما وحكما في آن واحد، هل سيتناقض المشغل مع التقرير الذي أنجزته مصالحه ويصطف لجهة الأجير الضعيف؟  

بالإضافة إلى ذلك على مندوب الأجراء أو الممثل النقابي (الذي يعتبر حضور أحدهما ملزم، لأن المشرع من خلال هذه المادة استعمل عبارة "يجب" التي تفيد الالزام)، قد يكون حضور أحدهما شكليا، ما دام لا يملك سلطة في اتخاذ أي قرار لمناقشة مدى مشروعية القرار، لكون هذه المادة لم تحدد بدقة دور مندوب الأجراء أو الممثل النقابي في هذه المسطرة، ولا نعتقد إلى جانب بعض الفقه[6]، أن حضور مندوب الأجراء أو الممثل لنقابي دون القيام بأي دور فعال إلى جانب الأجير، يعتبر ضمانة كافية  لتطبيق هذه المسطرة على أحسن وجه، لحماية الأجير من العقوبة التأديبية في حالة التعسف عليه، في الوقت الذي كان من الأجدر أن يتم الاستماع إلى الأجير من طرف لجنة محايدة ثم المشاركة الفعالة من قبل مندوب الأجراء أو الممثل النقابي في تحديد مصير الأجير.

لكن، ماذا عن المقاولات التي تتوفر على اتفاقية الشغل الجماعية أو النظام الداخلي أكثر فائدة للأجراء: قد نجد في بعض المقاولات أو المؤسسات تعمل على تطبيق المقتضيات القانونية الواردة في اتفاقية الشغل الجماعية[7] أو عقد الشغل أو النظام الداخلي، باعتيارهم أكثر فائدة للأجراء، وخاصة المقاولات أو المؤسسات التي كانت تتوفر على هذه الاتفاقيات والأنظمة الداخلية وعقود الشغل قبل صدور مدونة الشغل[8]،  وهذا يتماشى مع مقتضيات المادة 11 من مدونة الشغل التي تنص على أنه ((لا تحول أحكام هذا القانون دون تطبيق مقتضيات الأنظمة الأساسية، أو عقد الشغل، أو اتفاقية الشغل الجماعية، و النظام الداخلي، أو ما جرى عليه من العرف من أحكام أكثر فائدة للأجراء))، فالأجير ملزم بأحكام اللائحة المحددة للعقوبات الموجود في اتفاقية الشغل الجماعية أو النظام الداخلي، ما دامت في حدود القانون، خاصة وأن مقتضيات النظام الداخلي[9] الذي يعتبر إلزاميا للمقاولة أو المؤسسة، لا يطبق إلا بعد موافقة السلطات الحكومية المكلفة بالشغل، وذلك طبقا لمقتضيات القانونية الواردة في المادة 138 من مدونة الشغل حيث نصت على أنه ((يجب على كل مشغل، يشغل اعتياديا ما لا يقل عن عشرة أجراء، أن يضع خلال السنتين المواليتين لفتح المقاولة أو المؤسسة، نظاما داخليا، بعد إطلاع مندوبي الأجراء والممثلين النقابيين بالمقاولة عند وجودهم عليه، وأن يوجه إلى السلطات الحكومية المكلفة بالشغل من أجل الموافقة عليه.

يخضع كل تعديل للنظام الداخلي، لشكليات الاستشارة والموافقة المنصوص عليها في الفقرة السابقة)).

 وفضلا عن ذلك، فان أغلبية هذه المقاولات أو المؤسسات تتوفر على مجالس تأديبية كما هو الشأن بالنسبة للقطاع العام الذي بخضع لنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية[10]، حيث تتكون هذه المجالس من ممثلي المشغل الذي يعينهم هذا الأخير، ومندوبي الأجراء من اختيار الأجير، وقد ينضاف للمجلس التأديبي مدافع (محامي أو شخص ذو تجربة) من اختيار الأجير المحال على المجلس.

كما يمنح  للأجير المحال على المجلس التأديب كامل الصلاحية للدفاع عن نفسه، رفقة مندوبي الأجراء الذين يقومون بدور فعال في مناقشة الأفعال المنسوبة للأجير والوقوف على مدى مشروعية القرار، نظرا التجربة المتراكمة لديهم في مثل هذه الحالات، ومدى إلمامهم بالجانب القانوني، سواء تعلق الأمر بمقتضيات النظام الداخلي أو اتفاقية الشغل الجماعية أو بدوريات ومذكرات المصلحة أو بمدونة الشغل والقوانين الأخرى المتعلقة بالموضوع، كلها تصب جميعا في حماية الطرف الضعيف ألا وهو الأجير، ويبقى لجوء الأجير إلى القضاء  مسألة واردة في حالة طعنه في القرار الصادر في حقه والذي اعتبره قرار تعسفي.    

في نظرنا نعتبر مثل هذه المجالس التأديبية أكثر ضمانة وحماية للأجراء، لكن قد نفاجأ بلجوء بعض المقاولات أو المؤسسات التي تتوفر على هذه المجالس التأديبية بمقتضى أنظمتها الداخلية، إلى تطبيق مقتضيات المادة 62 من مدونة الشغل لتمرير قراراتها، ضاربة عرض الحائط مقتضيات النظام الداخلي الذي يعتبر بمثابة دستور المقاولة.

وهذه المجالس التأديبية تعتبر أكثر فائدة للأجراء حسب مقتضيات المادة 11 من النظام الداخلي، ثم أن هذه المجالس التأديبية الواردة في النظام الداخلي وافق عليها المشغل باستشارة مع مندوبي الأجراء أو الممثلين النقابيين والمصادقة عليها بالموافقة من طرف السلطات الحكومية المكلفة بالشغل، لذا لا داعي بالأخذ بالمادة 62 من مدونة الشغل مادام أن النظام الداخلي ساري المفعول الذي هو أكثر فائدة للأجراء.

ب‌.   مرحلة تحرير المحضر

من أجل إحترام المسطرة المذكورة، يجب تحرير المحضر من قبل إدارة المقاولة ويوقعه الطرفان وتسلم نسخة منه إلى الأجير، بالرغم من أن المشرع من خلال المادة 62 من مدونة الشغل لم يعمل على تبيان محتوى المحضر، فإننا نعتقد بجانب بعض الفقه بأن يثبت في المحضر كل ما يتعلق بطبيعة الفعل المنسوب للأجير وبتاريخ ووسائل إثبات ارتكاب ذلك الفعل مثل  الشهود، ويمكن أن يتضمن هذا المحضر كذلك كل وسائل دفاع الأجير والنقط المثار من طرف مندوب الأجراء أو الممثل النقابي وكل العناصر التي تعتبر أساسية في نظر الأطراف الحاضرة والموقف النهائي للمشغل[11].  

أما إذا رفض أحد الطرفين إجراء أو إتمام المسطرة يتم اللجوء إلى مفتش الشغل، وهذا يعني أن مسطرة الاستماع تقتضي توافق الطرفين على إجرائها، أي المشغل أو من ينوب عليه والأجير، واللجوء إلى مفتش الشغل مسطرة وجوبية، هذا ما خلص إليه المجلس الأعلى بالغرفة الاجتماعية في القرار عدد 276 الصادر بتاريخ 14 مارس 2007 في الملف عدد 913/5/1/2006[12].

ج. مرحلة تبليغ مقرر الفصل

بعد مسطرة الاستماع والتوقيع على المحضر، إذا اتخذ المشغل القرار بفصل الأجير عن العمل، فإنه من الضروري تبليغه بواسطة رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل داخل أجل 48 ساعة من تاريخ اتخاذ المقرر المذكور، عكس ما كان ساري به المفعول في القانون السابق، وهكذا نصت المادة 63 من مدونة الشغل على أنه ((يسلم مقرر العقوبات الواردة ي المادة 37 أعلاه أو مقرر الفصل إلى الأجير المعني بالأمر يدا بيد مقابل وصل، أو بواسطة رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل داخل أجل ثمانية وأربعين ساعة من تاريخ اتخاذ المقرر المذكور.

يقع على عاتق المشغل عبء إثبات وجود مبرر مقبول للفصل، كما يقع عليه عبء الإثبات عندما يدعي مغادرة الأجير لشغله))، ويتضح من خلال هذه المادة أن المشرع أكد على جملة من الشكليات في مقرر الفصل الواجب احترامها والالتزام بها.

كما لا يؤخذ بقرار الفصل الذي لم يحترم المدة القانونية المتجلية في 48 ساعة وهذا ما أقره المجلس الأعلى في قرار عدد 730 عن الغرفة الاجتماعية الصادر بتاريخ 6/4/2005 في ملف عدد 26 /5/2005 الذي جاء فيه ((أن المشغل بعث برسالة الفصل بعد فوات أجل 48 ساعة من فصله أي بعد مرور 24 يوما من تاريخ فصله، لهذا فالمحكمة لم تكن في حاجة لمناقشة الأخطاء المنسوبة للأجير مادام المشغل لم يحترم المسطرة القانونية)).  

والجدير بالذكر أنه في بعض الحالات، يتعذر تبليغ مقرر الفصل إلى الأجير خاصة عند التبليغ عن طريق البريد المضمون، فيرجع الإشعار بالتوصل بملاحظة "غير مطلوب" ففي هذه الحالة فإن التبليغ لا يعتبر قانونيا وذلك اجتهادا لما استقر عليه الاجتهاد القضائي[13]، أو بملاحظة  "انتقل إلى عنوان أخر" فهي تفيد أن التبليغ قانونيا، لأن الأجير ملزم بمقتضى الفقرة الأخيرة من المادة 22 من مدونة الشغل التي تنص على أنه ((ينبغي على الأجير، عند تغيير محل إقامته، أن يطلع المشغل على عنوانه الجديد إما يدا بيد أو بواسطة رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل)).    

فضلا عن ذلك، أن المشرع أوجب على المشغل بأن يكون مقرر الفصل يتضمن الأسباب المبررة لاتخاذ قرار الفصل وتاريخ الاستماع للأجير، حسب المقتضيات القانونية الواردة في المادة 64 من مدونة الشغل، كما يوجه هذا المقرر مرفقا بالمحضر إلى العون المكلف بتفتيش الشغل حسب هذه المادة.

إذا فالمدونة لم تكتف بإبلاغ الأجير وحده بقرار الفصل، بل ألزمت المشغل بتوجيه نسخة من مقرر الفصل إلى مفتش الشغل، خلافا لما كان عليه سابقا في ظل النظام النموذجي لسنة 1948.

وخلاصة القول، إن احترام الجانب الشكلي المنصوص عليها المادتين 62 و 63 من مدونة الشغل ملزم على المشغل، وهذا ما أكده المجلس الأعلى بالغرفة الاجتماعية في قراره[14] عدد 938 بتاريخ 15 نونمبر 2006 في الملف عدد 968/5/1/2006 المؤرخ في 15 نونمبر 2006 الذي جاء فيه ((حيث إن الثابت من وثائق الملف أن طرد الأجير من العمل كان بتاريخ 5/12/2004 وبالتالي فإنه طبقا للمادة 62  من مدونة الشغل التي دخلت حيز التنفيذ وتم العمل بها  منذ 8/6/2004 فإنه يجب قبل فصل الأجير أن تتيح له فرصة الدفاع عن نفسه بالاستماع إليه من طرف المشغل أو من ينوب عنه بحضور مندوب الأجراء أو الممثل النقابي بالمقاولة الذي يختاره الأجير بنفسه، وذلك داخل أجل لا يتعدى ثمانية أيام ابتداء من التاريخ الذي تبين فيه ارتكاب الفعل المنسوب إليه ويحرر محضر في الموضوع من قبل إدارة المقاولة، يوقعه الطرفان، وتسلم نسخة منه إلى الأجير... وأنه طبقا للمادة 63 من نفس المدونة فإنه يسلم مقرر الفصل إلى الأجير المعني بالأمر  يدا بيد مقابل وصل أو رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل داخل أجل ثمانية وأربعين ساعة ابتداء من تاريخ اتخاذ قرار المذكور.

وأضاف القرار (( إلا أنه بالرجوع إلى الوثائق المضمنة بالملف أنه لا دليل على سلوك تلك  الإجراءات الشكلية  المنصوص عليها طبقا للمادتين أعلاه و لا دليل على ما يفيد توصل الأجير بمقرر للفصل طبقا لمقتضيات المادة 63 من المدونة مما يجعل الطرد الذي تعرض له الأجير طردا غير مبرر وبالتالي أحقيته في التعويض عن الضرر الذي تعرض له من جراء هذا الفصل وكذا توابعه من تعويض عن الفصل وأجل الإشعار )).

 إذا كان تدخل المشرع المغربي في فرض ضمانات وإجراءات لفائدة الأجير باعتباره الطرف الضعيف في المعادلة الشغلية، والتي تعتبر من مستجدات المدونة، فإنه أضفى حماية خاصة واستثنائية في حالة عزم المشغل على فصل مندوبي الأجراء أو الممثل النقابي أو طبيب الشغل، كإجراءات شكلية يجب مراعاتها.

سنتناول في المقال المقبل كجزء ثالث لكل من:

4-     المسطرة الخاصة بفصل مندوب الأجراء والممثل النقابي وطبيب الشغل

5-     مراقبة السلطة القضائية للسلطة التأديبية للمشغل



[1] محمد سعد جرندي، موقف مدونة الشغل من تحديد مفهوم الخطأ الجسيم المبرر لطرد الأجير، مجلة القضاء والقانون، العدد 156، سنة 2009، ص  160.

[2] محمد سعيد بناني، قانون الشغل بالمغرب في ضوء مدونة الشغل علاقات الشغل الفردية، الجزء الثاني المجلد الثاني، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، سنة 2007، ص 1043.

[3] قرار منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، العدد 21، ص 25.

[4]  محمد المعاشي، الإجراء التأديبي في حق الأجير بين الواقع و القانون، المنشور في المواقع الإلكترونية لسنة 2013، وعلى الموقع www.lesalariemarocain.com

[5] محمد سعد جرندي، الطرد التعسفي الأجير في ظل مدونة الشغل والقضاء المغربي، مطبعة الأمنية الرباط، الطبعة الثانية، سنة 2007، ص 134.

[6]  محمد سعد جرندي، الطرد التعسفي الأجير في ظل مدونة الشغل والقضاء المغربي، مطبعة الأمنية الرباط، الطبعة الثانية، سنة 2007، ص135.

[7]  محمد المعاشي، اتفاقية الشغل الجماعية والآليات القانونية، المنشور على المواقع الإلكترونية لسنة 2013، وعلى الموقع www.lesalariemarocain.com

[8]  قانون رقم 99-65 صادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.03.194 في 11 شتنبر 2003، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5167 بتاريخ 8 دجنبر 2003.

[9]   محمد المعاشي، المقاولة...وإلزامية وضع النظام الداخلي، المنشور على المواقع الإلكترونية لسنة 2013، وعلى الموقع www.lesalariemarocain.com

[10] ينص الفصل 65 من ظهير الشريف رقم 1.58.008 بتاريخ 4 شعبان 1377 (24 فبراير 1958) بشأن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، على أنه ((تختص بحق التأديب السلطة التي لها حق التسمية. وتقوم اللجنة الادارية المتساوية الأعضاء بدور المجلس التأديبي ويغير حينئذ تركيبها وفقا لمقتضيات الفصل الخامس والثلاثين)).

[11]  الحاج الكوري، مدونة الشغل الجديدة القانون رقم 99-65 لأحكام عقد الشغل، مطبعة الأمنية الرباط، سنة 2004، ص 288.

[12]  قرار غير منشور حيث جاء فيه (( وحيث أنه لما كان الاستماع إلى الأجير بشأن الخطأ المنسوب إليه من طرف مشغله، يقتضي منطقيا أن يحدد هذا الأخير (أي المشغل) يوم وساعة انطلاق جلسة الاستماع، ويقوم باستدعائه لها حتى يتيح له فرصة الدفاع عن نفسه. وحيث أنه حتى وان تخلف الأجير عن جلسة الاستماع إليه، فإن ذلك لا يجعل المشغل في حل من اتمام مسطرة الفصل برمتها، بدليل أن الفقرة الأخيرة من المادة 62 المذكورة، تجعل اللجوء إلى مفتش الشغل أمرا لا محيد عنه، إذا رفض أحد الطرفين إجراء أو إتمام المسطرة))’ راجع بشرى العلوي مرجع سابق، ص 44 و 45.

[13]  قرار المجلس الأعلى رقم 569 الصادر بتاريخ 2/6/98 في الملف الاجتماعي عدد 373/4/1/96 غير منشور. وقرار محكمة الاستئناف بوجدة رقم 1658 الصادر بتاريخ 27/6/05 في الملف عدد 1866 /05 غير منشور.وقرار المجلس الأعلى رقم 847 الصادر بتاريخ 26/12/1988 في الملف الاجتماعي عدد 9646 /88 راجع محمد سعد جرندي، الطرد التعسفي للأجير  بين الفقه و القضاء بالمغرب الطبعة الأولى 2002 ، ص 286.

[14]  قرار منشور في مجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 67، سنة 2007.