محمد مونشيح

لقد سبق وقال الهواري بومدين في قضية الصحراء "إنها حجرة في "سباط "( حداء ) المغرب"، تتوالى الأعوام ولا تتغير المعادلة، وتستمر العقيدة "البومديانية "بخطى تابتة. بعد وفاة "ماو تسي تونغ " ظن الروس أن السياسة الصينية ستتغير، وتغيرت بالفعل في كل شيء سوى تجاه الروس، لا أحد يستطيع أن يثني المسؤولين الجزائريين عن سياساتهم في ملف الصحراء التي كلفتهم الكثير، ماديا وأدبيا، حتى انتهى الأمر بأن لا شيء يحدث في المنطقة، من سلم أو حرب، من وفاق أو شقاق، دون معرفتها، مادام أنها تقبل أداء ثمن أن تكون دولة رائدة  على حساب جيرانها، وهو ما أجمله ذ. عبدالله العروي بشكل مكثف "حجرة في العنق"، يقصد عنق المغرب. في المقابل انشغل هذا الأخير بانتزاع الشوك المزروع في طريقه، وطغت قضية الصحراء على سياسته لمدة طويلة لتأكيد المقولة المغربية عن الصحراء، لكن بالتزام موقف دفاعي، علما أن موقفا من هذا النوع في المجال الدبلوماسي ككرة القدم،" الفريق الذي يختار هذه الخطة يتعب أكثر ولا ينهي مبارياته إلا بشق الأنفس منهكا أو مهزوما". وفي نفس الوقت داوم على المحافظة على علاقته بالجارة الجزائرية، التي جربت كل السبل لعزل المغرب، من مهاجمة وتدويل وابتزاز ومقايضة. ظل عمل المغرب موسوما في كثير من الأحيان بالإهمال والتراخي وعدم استثمار مكاسبه، وإضفاء الصبغة "الشريفية" التي سهلت على الخصوم رميه بالتوسعية. استعداد الحكام الجزائريين كان لمواجهة طويلة، حددوا الخصم منذ أعوام وتصرفوا على هذا الأساس، تارة تلويحا وتارة تصريحا، بالموازاة مع خوض "حرب مخوصصة"، في حين وضع المغرب نفسه دائماً موضع من ينتظر معجزة، وتبنى فلسفة الفرج بعد الشدة، يرتجل عوض أن يخطط، أبان عن قدرية كبيرة في تحمل هذا الوضع حتى ولو دام مائة سنة أخرى، فتحولت المغامرة الجزائرية إلى مكسب بسبب الأخطاء التي تعود المغرب على ارتكابها، ولم يعترف إلا في وقت متأخر أن  خصمه العنيد والمؤثر هو الأخ الجزائري، وأضحت الصحراء ورقة مساومة على الساحة العالمية لا تراوح مكانها، حتى أصبحت مرادفة ل"النزاع المنسي" أو "النزاع المتجمد". كل المواقف السياسية تضفي عليها الجزائر طابع الشرعية والواجب الأخلاقي، كما لو أنها صاحبة احتكار تمثيل حركات التحرر الثورية في العالم، ألم تكن تدعى ب"مكة الثوريين" ؟ لذلك قد نجدها غير مسؤولة أو مقيدة بالقوانين والأعراف، ربما هذه نقطة قوتها، إذ لا بروتوكول مغلق ولا تصرفات نمطية، بل إصرار على النجاح وهو ما يفسره آخرون بالغطرسة، ناهيك عن أدوارها في النزاعات الإفريقية بما يسمى ب (go betwin) أو المساعي الحميدة. لابد أن "تمثل الذات والعالم في الجزائر تأثر عميقا بازدواجية "الخير والشر"، وقبلها بثنائية "الشهيد" و"الخائن" واليوم تأرجحت بين ال"نحن" و "الآخرين". هذه الثنائية ستتمظهر بقوة ليس فقط في الهندسة السياسية و المؤسساتية، ولكن في التصرفات الدولية و الجهوية للدولة الجزائرية". من حسن حظ المغرب، يقول عبد الله العروي أن الملك الحسن الثاني لم يكن يفضل لعبة البريدج، التي كان يتقنها الرئيس الهواري بومدين، بل البوكر، أي بعد طول تفكير الأول واطمئنانه إلى خطة يقوم الثاني بسحب البساط من تحت أرجله، لكن ما يجب الوقوف عنده، يرى أحد المتتبعين (الصحافي توفيق رباحي)، هو أن الدبلوماسية المغربية تظهر رغما عنها أنها هي البادئة دائماً برد الفعل، والدبلوماسية الجزائرية دائماً في موقف الطرف الذي يتصرف بهدوء وكأن شيئا لم يكن. الجزائر بارعة في حفر المطبات لجارها، والمغرب بارع في السقوط فيها ويرفض التعلم، يضيف نفس الكاتب. لاشك أن الدبلوماسية الجزائرية فقدت الكثير من زمنها الذهبي، ومحكومة بنوسطالجيا صورتها الدولية السابقة، تعيش حاليا أحلك أيامها لاعتبارات جيوسياسية واقتصادية، وهو نفس الوضع تقريبا الذي يعاني منه جارها المغرب، فأصبحنا أمام صراع الديكة، مناورة هنا ورسالة مضادة هناك، لا جديد غير البحث عن حصان طروادة في عمق المعسكرين مهما كلفهما من ثمن، بما في ذلك النزول بمقدرات البلاد و بعائدات الغاز. وإذا كانت الرشوة بعيدة على أن تكون طارئة عن نظام الجزائر النفطي الريعي بامتياز، الذي اعتمدها في ضبط الصراعات، سوقا لاستبدال المشاركة السياسية أو الإقصاء السياسي بتعويض اقتصادي، ومقتضى للمراقبة السياسية  يلين من نظام "الحرس الإمبراطوري"، يعوض الأوفياء ويرشي المعارضين، فإنه قد استنسخ نفس المعطى في المجال الخارجي، أمام العوز المغربي الذي يعاني نقصا في موارده المالية ومن سوء ترشيدها في هذا الشأن، والذي ما فتئ يشكو علانية من عدم تكافئ الفرص المعتمد على شراء الدمم و تسجيل اختراقات مهمة ليست في صالحه (راجع نص الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 38  للمسيرة الخضراء).أمام إفلاس شرعية القادة الجزائريين ونقص في السلطة الضرورية لأجل الدفاع عن حل آخر، لم يعد أمامها حل  للدفاع عنه غير الجمود (statu quo) من خلال التمديد لولاية رئاسية رابعة رغم المصاعب الصحية. وقد تفتقت عبقرية الدبلوماسية الجزائرية، في الآونة الأخيرة، عن استكشاف الرهان على مراقبة حقوق الإنسان من قبل هيئة "المينورسو"، وهو البلد الذي لم يحقق إنجازات مهمة في هذا الباب، لكن من شأن تفعيل هذا المطلب أن  يقوض السيادة المغربية على التراب الصحراوي دوليا، ولو أن وجودها كما هي عليه وزيارة "خوان منديس" مقرر الأمم المتحدة حول التعذيب، لا يمس بصلاحيات المغرب، ثم أليست مهمة المينورسو منذ القبول بحل الاستفتاء المتخلى عنه وهي في تراجع دائم، وبالتالي ليس لتوسيع مهام المينورسو أي تأثير على  مفاوضات متوترة أصلا، لا تكاد تخرج من نفق إلا لتدخل في آخر. هكذا يرى أصحاب الطرح المساند لتوسيع صلاحيات المينورسو. إن الرهان الجزائري الجديد على حقوق الإنسان مفكر فيه بشكل جيد، ومساير للتحول المتصاعد لهذا العامل في العلاقات الدولية، واعتباره أحد الأسس النظرية للقانون الدولي، كما أن الإحالة على الكوني بقدر ما هو مقنع وجميل، يقول Jean-Marie Fardeau، فهو متلاعب به ليس لأنه كوني بالولادة، ولكن لأنه مغري ومتلاعب به دائما، وربما أحسن نموذج يمكن أن يمثل هذا التوظيف/ التلاعب هو الموقف الجزائري، فأين نحن من  الأنجلوساكسونيين مما يسمونه ب"مونيتورينغ القوة "(monitoring)، أي وضع القوة تحت المراقبة، كنقطة التوازن وتكرار ما وقع على مستوى السلط داخل الأمم. وهو الأمر الذي دفعBertrand Badie"i" لكي يعبر عن حيرته بما يلي :" إننا بصدد إعادة اكتشاف شيء ما، لا نتحكم فيه جيدا، وهو التداخل بين الإنساني والعمومي، بين السياسي والإحالة على حقوق الإنسان، أعرف أنه يجب إعادة بناء هذه الإحالة الدولية  على حقوق الإنسان في السياسة ولكن لا نعرف كيف ".إن الجزائر بخطوتها هذه تستهدف إحداث شرخ في الإجماع الوطني، والتشويش على المقترح المغربي، وإعادة إحياء التعبئة وتجديد الدعائم التقليدية للبوليساريو، وإفراغ أي اعتراف بتقدم المغرب في مجال حقوق الإنسان، وتخريب كل مجهوداته، وتضخيم إعلامي لأي حادث يقع في الأقاليم الصحراوية، والرهان على الاحتجاجات في المناطق الجنوبية لكي تتحول إلى كرة الثلج في باقي المناطق ...وإذا كانت الجزائر ليس لها ما تتباهى به في موضوع حقوق الإنسان على المستوى الداخلي، فإنها تختبئ خلف الولايات المتحدة الأمريكية وتؤكد على التوافق معها في الصحراء حول ملف حقوق الإنسان، لأنها تدرك أن الولايات المتحدة الأمريكية لكي تكون قوية يجب أن تعلن الكونية، وتبدي الرغبة في تحقيقها وأن تقدم نفسها أنها قادرة على ذلك.

في المحصلة، يرى" Luiz Martinez " أن نزاع الصحراء أضحى أداة عجيبة للبناء السياسي : جعلت من المغرب بلدا أكثر فقرا، وغير قادر على مسايرة خصمه على مستوى الإنفاق، ولكنه أكثر مهارة منه، ومن الجزائر بلدا سخيا وأكثر تباثا (وابتكارا) من أجل قضية ضائعة.