ابراهيم الحيمر

يحتفل قطاع الصيدلة بالذكرى المئوية لصدور أول قانون يتعلق بتنظيم مهنة الصيدلة ويعود تاريخه إلى سنة 1913. فبعد مرور قرن من الزمن، أصبحت المهنة تشكل قطاعا قائما بذاته يتكون من أزيد من 11 ألف صيدلية تغطي جميع التراب الوطني وتشغل حوالي 30000 أجير بالإضافة إلى كون هذا القطاع يشكل موردا هاما لخزينة الدولة.

لكن أهم ما يمكن ملاحظته على مستوى الإنتاج القانوني خلال هذا القرن هو القفزات الطويلة المسجلة بحيث أن محطات إصدار القوانين الهامة المنظمة لهذا القطاع معدودة على رؤوس الأصابع، وأن معظم هذه القوانين أصبحت متجاوزة ولم تعد تساير التحولات الهامة التي يشهدها القطاع، ونذكر هنا على سبيل المثال قانون المواد السامة الذي يعود تاريخه إلى سنة 1922 والقانون الذي يحدد مكونات سعر الأدوية الصادر سنة 1969 وكذلك القانون المنظم للهيئات الذي يرجع تاريخه إلى سنة 1976 في وقت لم يكن يتجاوز فيه عدد الصيادلة 300 صيدلي.

فقلة إنتاج القوانين وتقادم الجزء الأكبر منها وعدم فرض احترامها جعل القطاع يتخبط في مشاكل لا حصر لها على الرغم من الأهمية التي يكتسيها في السلسلة العلاجية.

فعلى مستوى تطبيق القوانين، نجد مثلا القانون 04-17 المتعلق بالأدوية والصيدلة الصادر سنة 2006 مازال يحتاج إلى مراسيم تطبيقية لتفعيله بشكل جيد والتي تهم بعض الجوانب التي جاء بها هذا القانون خاصة فيما يتعلق برخصة التداول في السوق  (AMM) وكذلك بما يصطلح عليه ب (pharmacopée) وهو كتاب يحدد ما يدخل في خانة الأدوية المسموح باستخدامها بالإضافة إلى صفاتها وخصائصها وطرق تحضيرها وتشرف على إعداده المؤسسات الصحية الرسمية مما سيسهل تطبيق القانون المذكور أعلاه الذي ينص على منح حق احتكار بيع الأدوية للصيدلي فقط. إلا أن الخرقات المسجلة على هذا المستوى عديدة ومتنوعة بحيث نجد أن بعض الأدوية تباع في محلات تجارية منها على الخصوص تلك المتعلقة بمنتوجات التجميل والتي تحتوي على مواد نشطة تستعمل لعلاج بعض الأمراض الجلدية. كما أن هناك شبكات مختصة في بيع الأدوية التي تتسرب من المنشآت الصحية العمومية علاوة على بيع الأدوية المهربة عبر الحدود ولاسيما من الجزائر في مناطق مختلفة من المملكة خاصة المنطقة الشرقية. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن تسجيل نفس الخرقات فيما يتعلق ببيع التلقيحات من طرف بعض العيادات المختصة في طب الأطفال وفيما يتعلق ببيع الأدوية ذات الاستعمال الحيواني من طرف البياطرة فضلا عن بيع المستلزمات الطبية المعقمة التي ينص القانون على بيعها حصريا في الصيدليات. ومن جانب آخر، فإن إسناد مهمة بيع الأدوية للصيدلي لا يعتبر امتيازا وإنما تحميلا له لمسؤولية الإشراف على هذه العملية التي تتطلب نوعا من الدقة في المعلومات وذلك من أجل تحقيق النجاعة العلاجية لهذه الأدوية ولتفادي في نفس الوقت المخاطر التي يمكن أن تنجم عن سوء استخدامها مما يلحق أضرارا بصحة المريض بل وفي بعض الأحيان يؤدي إلى وفاته.

إلا أن هذه المعلومات تكون متفاوتة الأهمية من صيدلي لآخر حسب الشواهد المحصل عليها، حيث نجد أن الشواهد القادمة من بعض الدول خاصة دول أوربا الشرقية هي دون مستوى الشواهد الوطنية ومع ذلك فإن القانون المغربي يخول لحامليها مزاولة مهنة الصيدلة على قدم المساواة مع زملائهم الذين تلقوا تكوينهم بالمغرب. كما أن المعلومات المتعلقة بالأدوية ليست جامدة وتتغير باستمرار مع التطور الفائق السرعة بقطاع يشهد يوما بعد يوم ظهور أدوية جديدة. ولهذا، فإن التكوين المستمر يصبح أمرا ضروريا لتمكين الصيدلي من مسايرة هذه التحولات.

إن مثل هذه المشاكل والاختلالات التي يتخبط فيها قطاع الصيدلة ينجم عنها تأثيرات سلبية على الجوانب الصحية والاقتصادية والاجتماعية مما يستوجب تحيين القوانين المعمول بها في هذا المجال وجعلها في خدمة صحة المواطن بالدرجة الأولى وخدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مرتبة ثانية، إذ لا يمكن إنجاح أي سياسة صحية دون إقرار سياسة دوائية فعالة التي تحتاج بدورها إلى قطاع صيدلة قادر على مواكبة التحولات الهامة.