عبد القادر الحيمر

دخلت العلاقات المغربية الفرنسية مرحلة جديدة أقل ما يقال عنها أنها مليئة بالتناقضات وتحتاج إلى معالجة تؤمن حماية المكتسبات وتقي من الانزلاقات التي تضر دون أن تفيد.

لقد كان من المرتقب أن تتعامل وزارة الخارجية الفرنسية بهدوء مع الحادث الديبلوماسي الذي ترتب عن استغلال الشرطة الفرنسية لوجود المدير العام لمديرية مراقبة التراب الوطني ضمن وفد مغربي رسمي في باريس للمطالبة بالاستماع إليه بخصوص تورطه المزعوم في ممارسة التعذيب بالمغرب، ولكن السفير الفرنسي في واشنطن تجاهل الرد المغربي الذي يؤكد بأن الشكاوى صادرة عن فرنسي من أصول مغربية قضى عقوبة السجن بعد أن توبع بتهريب المخدرات، وعن جهات تساند انفصال الصحراء المغربية عن الوطن الأم، وبادر إلى صب الزيت على النار متجاوزاُ أبسط شروط الاحترام التي بدونها تتحول العلاقات القائمة إلى استعمار عوض أن تكون علاقات شراكة وتعاون.

لقد سمح الدبلوماسي الفرنسي لنفسه بأن يشبه المغرب ب "العشيقة التي نجامعها كل ليلة، رغم أننا لسنا بالضرورة مغرمين بها، لكننا ملزمون بالدفاع عنها"، وكان من الطبيعي أن تبادر الحكومة المغربية إلى استنكار هذا السلوك في انتظار ما سيعرفه هذا الملف من تطور.

إن المصطلحات الجارحة والمهينة التي اختارها الدبلوماسي الفرنسي ملزمة بالضرورة للحكومة الفرنسية، وهي تعكس الجانب الخفي من الاستراتيجية التي تبني عليها فرنسا علاقاتها مع شركائها في القارة الإفريقية وخاصة منهم من كانوا تحت هيمنتها الاستعمارية، فهل كان بمقدور نفس السفير أن يتطاول ويتصرف بنفس التصرف لو أن الخارجية الأمريكية استدعته لاستفساره حول أي ملف ترى أنه يستحق الاستفسار؟

من المعروف أن الدبلوماسي المحنك هو الذي يعرف كيف يمهد للتوصل إلى حلول مرضية لكل النزاعات والخلافات التي تعرض عليه، ومن المعروف كذلك أن تعيين السفراء في واشنطن يخضع لشروط تجعل من يحصل على هذا المنصب في درجة من المسؤولية لها مكانة متميزة بين باقي السفراء، ومن تتوفر فيه هذه الشروط لا يمكنه أن يدلي من محظ إرادته بتصريحات مهينة تجاه دولة حليفة، وحتى إن كان ذلك عن طريق الخطأ فقد كان من المفروض أن تبادر الحكومة الفرنسية إلى تصحيح الخطأ، وان تحافظ على "شعرة معاوية".

إن اختيار موعد الزيارة التي يقوم بها جلالة الملك لأربع دول إفريقية يعطي للتوتر المفاجئ في العلاقات الفرنسية المغربية بعدا يتناقض تماما مع مختلف التصريحات التي سبق لمختلف الهيئات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية الفرنسية أن أدلت بها، وعندما يتعلق الأمر بخيارات استراتيجية يصبح من العبث تعكير المياه التي يسعى المغرب إلى تصفيتها، وإلا فإن فرنسا ستكون قد سخرت نفسها لخدمة الاستراتيجية الجزائرية التي ترى بأن المغرب لا يحق له أن يعمل على تدليل الصعاب التي تعاني منها الدول الإفريقية وكأن الجزائر وصي على دول الجوار، وكأن على هذه الدول أن تنتظر شفاء بوتفليقة وانتخابه لولاية رابعة لكي تباشر معالجة الملفات التي تضعها في مقدمة أولوياتها.

هل ترى فرنسا فعلا في إقدام المغرب على إرسال تجريدة عسكرية إلى افريقيا الوسطى مجرد ليلة جماع مع عشيقة هي غير مغرمة بها وغير ملزمة بالدفاع عنها؟ هل ترى في إرسال المستشفى العسكري المتنقل إلى مالي مجرد حدث معزول؟ هل تريد فرنسا بدورها أن ينسلخ المغرب من جلده الإفريقي؟ وهل بإمكان فرنسا أن تنفي بأن المصالح التي ستجنيها من الزيارة الملكية للقارة الإفريقية أكثر من تلك التي سيجنيها المغرب؟ ثم هل لها أن تتراجع على التصريحات الرسمية التي سبق لها أن أدلت بها بخصوص الدور الذي لعبه المغرب في محاربة تهريب المخدرات وفي محاربة الهجرة؟ وماذا لو بادرت كل دولة إلى اعتقال الوفود الرسمية التي تزورها لمجرد أنها تلقت شكاوى ممن سبق لهم أن تعرضوا للاعتقال وقضوا العقوبات السجنية التي أصدرتها المحاكم المختصة؟

بإمكان فرنسا أن تنام على الجانب الذي يريحها، ولكن عليها ألا تحلم باستعادة أمجاد الدولة الاستعمارية في القارة السوداء، فالمغرب مثله مثل باقي الدول الإفريقية جاهز للدفع بعلاقات التعاون المثمر والمتقاسم والمستدام إلى أبعد ما يمكن ولكن شريطة ألا يكون ذلك على حساب سيادته وكرامته ووحدته.