محمد مونشيح       

  "ننتقد اليوم الديمقراطية التمثيلية، عن طيب خاطر، كونها ليست ديمقراطية وتمثيلية بما فيه الكفاية"، هكذا يلخص " جورج فوديل" النقاش الدائر حول أزمة الديمقراطية التمثيلية المتجسدة في ارتفاع نسبة الامتناع، والتبخرية، وعدم استقرار الهيئة الناخبة، وقضايا الرشوة، واحترافية الحياة السياسية، ووزن الأعيان...بالإضافة إلى اتساع الهوة بين السياسي والمدني، والآفاق الجديدة التي تمنحها وسائل الاتصال الجديدة في مجال التداول العمومي ودمقرطته من خلال القدرة على إفشاء المعلومة...والسيطرة المتزايدة للسلطة التنفيذية على البرلمان، وتغول منطق الأغلبية الحزبية...وتطور القانون الدولي الذي جعل من المواطن/ الفرد فاعلا دوليا بحكم بعض المواقف الدولية، بالإضافة إلى التزايد الملحوظ للمنظمات الدولية لحماية حقوق الأفراد والشعوب...

   لقد أصبح مستقبل الديمقراطية التمثيلية يمر عبر توضيح معنى التمثيلية، والمعاني الجديدة لها، إن لم يكن تعدد المعاني ( Polysémie ) المرتبطة بكلمة " تمثيل" (représenter) ، باستحضار نموذج قديم / جديد يتمثل في الديمقراطية " الفورية " أو المحققة (immédiate) والمفتوحة أو المباشرة، لتدارك وتصحيح أو تكملة الديمقراطية التمثيلية، من خلال ما سمي في وقت من الأوقات ب" إعادة الكلمة للشعب " و" عدم قابليتها للتقادم كحق لكل إنسان في المجتمع " على حد تعبير " روبسبيار "، أو أن " القانون هو ما كتبه الشعب وأخد  به " كما أقر ذلك Gaius، لذلك لا غرابة إن أضحت "  سويسرا " مركز الديمقراطية المفتوحة موضوعا للسياحة السياسية والدستورية، بعدما تم التدرع لوقت طويل بالخصوصية التي لا تتيح أية إمكانية للاقتباس، وأن انتخاب ممثلي الأمة يفي بالغرض.

بين الديمقراطية المباشرة والديمقراطية التمثيلية:

 إذا كانت الديمقراطية المفتوحة من وجهة نظر تاريخية، تعتبر كبديل للديمقراطية التمثيلية، فإن ميكانيزمات الأولى في مآلها هي وسيلة لتقوية ( consolider ) الثانية، تكملها ولا تعوضها، تقوي الشرعية السياسية وتقترح وسائل المشاركة، لأن المواطنين يخولون أهمية كبيرة للميكانيزمات الديمقراطية التمثيلية وينتظرون الكثير منها، ويعلقون عليها وظائف وانتظارات تتجاوز قدراتها.

  لكن اعتمادا على استعمال ميكانيزمات الديمقراطية المباشرة، يسود لدى المواطنين اعتقاد بأنهم محكمون أحسن، ويتقوى لديهم الإحساس بأنهم يمارسون رقابة على الحكومة. لذلك فمبدأ الشرعية الديمقراطية يجب أن يُبحث عنه في مسار تشكيلة القرار الجماعي الذي يقترح وسائل المشاركة السياسية.

   وفي نفس الوقت الديمقراطية المباشرة لا تأتي إلا للدعم وتعتبر عكازة ( Béquille ) للديمقراطية التمثيلية ونقطة التوازن لنظامها السياسي حسب "Jürgen Habermas" و "Bernard Manin "، إذ أن الأحزاب السياسية والسلطة التشريعية تظلان مؤسستان مركزيتان تسمح للمواطنين بالتعبير ومواجهة اختياراتهم، لأن الديمقراطية المباشرة هي دواء وسم، تحرف النظام التمثيلي دون الذهاب إلى حد تهديمه.

الديمقراطية التمثيلية والمبادرة التشريعية الشعبية:

   لقد تم إبداع العديد من الآليات الديمقراطية المباشرة أو نصف المباشرة، من بينها" المبادرة التشريعية الشعبية "( نجد هذه العبارة في الدستور الهنغاري ) التي تنبني على مسار غير ثوري ينطلق من " القاعدة " عوض " القمة "، وتدخل ضمن ثقافة العرائض التي كانت منذ البداية الحامل الأساسي لرسائل آتية من الهامش نحو المركز ( Zaret. D )، تعمل على بلورة قانون جديد، أو تعديل قانون قائم الذات، أو تقديم قانون مضاد لمشروع أو مقترح قانون مازال قيد التداول، أي أن المبادرة التشريعية الشعبية هي بمثابة رد فعل تجاه أنشطة البرلمان، ومشرعا موازيا استثنائيا يتوخى مراقبة أجهزة الدولة، حتى أضحت هذه الآلية إجراء مندمجا لمصاحبة الوظيفة السياسية ومواكبتها في الدول الديمقراطية، بعيدا عن الزمن الانتخابي المحكوم بالدورية والانتظامية، واعتمادا على ما راكمته الإنسانية منذ النصف الثاني من القرن العشرين من إعلانات واتفاقيات دولية ومعاهدات ومجموع المبادئ أو مدونات السلوك في مجال الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية...

- التقييد: بين التوسيع والتضييق:

  غير أن المبادرة التشريعية الشعبية ليست مطلقة، بل متبوعة بجملة من التقييدات التي من شأنها حماية  هذا الحق الذي هو فرصة للمشاركة، وفي نفس الوقت للحيلولة دون المنحى الشعبوي أو التمييعي الموسوم بديماغوجيته المُبَـسِّطة والمُخادعة، وإن أخد هذا التقييد، في كثير من الأحيان، إرادة في التقليص والتضييق، لذلك فالمبادرة التشريعية تظل مرتبطة بالنظام القانوني والثقافة السياسية السائدة. 

  مبدئيا، التقييدات لا يمكن أن تأتي إلا مُناِسبة وواقعية لتنمية ثقافة الاستعمال المضطرد، وتسمح بتنظيم حوار مؤسساتي بين المواطنين والسلطات، بمراعاة التوازن أو التوفيق بين الشرعية الديمقراطية من جهة، والفعالية والاستقرار السياسي من جهة أخرى.

  وفي سياق الحراك الذي عرفته دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط في الثلاث سنوات الأخيرة،  وخروج عشرات الآلاف من المواطنين إلى الشوارع بنداء موحد : " الشعب يريد ..."، فقد شـَكّل دليلا حيا على طبيعة المشاركة السياسية المرغوب فيها، وجَسَّد السياقات الرحبة للمشاركة المُطالب بها، وعمل على إظهار تحول جديد في إدراك المواطنة وفرض احترامها ومنحها الكلمة. 

  المغرب من جهته لم يفلت من تداعيات هذا الحراك الإقليمي والجهوي نسبيا بعد خروج حركة 20 فبراير إلى الشارع، وقِدم دستور 2011  كجواب عن طلب اجتماعي وسياسي مُعبر عنه بوضوح، ومحاولة لترجمته لشكل جديد للتعاقد وتطويع الوضعانية الدستورية لخدمة المشاركة السياسية، وضمان الاستقرار الاجتماعي كإطار ثابث، عبر عقلنة الاحتجاج بمحاولة وضع السياسات العمومية على مقاس وحجم المشاكل الاجتماعية، كما اعتبرت، من لدن البعض، فرصة لمصالحة المواطن مع السياسة والشأن العام، وجعل المؤسسات الدستورية أمام استحقاقات دائمة باحترام الإرادة الشعبية التي لم تعد متحمسة لتفويض صلاحياتها لمؤسسات وممثلين متعالين أو متخاذلين...

  وتجلى ذلك في مقتضى دستوري جديد ليس للمواطنين والمؤسسات والفاعلين قِبـَلا لهم به من قبل، حاملا احتمالية، وإن كانت نسبية، لدينامية التغيير، قد يسمح للأصوات الأكثر خفوتا والأكثر قابلية للانجراح بأن تساهم في اتخاد القرار، أو على الأقل أن تطفوا على السطح المؤسساتي، إذ نص في الفصل 14 من الدستور على ما يلي :" للمواطنات والمواطنين، ضمن شروط وكيفيات يحددها قانون تنظيمي، الحق في تقديم ملتمسات في مجال التشريع ".

   و جاء ذكر كلمة " مشاركة " 11 مرة، كما أن كلمات "مواطن" و"مجتمع مدني" لم تكن ضمن النظام القانوني الدستوري المغربي السابق، ثم إن ديباجة الدستور، التي هي جزء لا يتجزأ منه، أكدت في الفصل 2 على مواصلة المغرب بشكل ثابث على مسار تقوية مؤسسات دولة عصرية لها أسس المشاركة والتعددية والحكامة، بالإضافة إلى أحكام الباب الأول منه والفصل 1 والفصل 6 والفصول: 12 و13 و15و الفصول 139 و156 والعديد من المقتضيات ذات الصلة بالموضوع.

  لكن تظل كل الانتظارات معلقة على القانون التنظيمي للملتمسات التشريعية و الضمانات التي سيخولها، خصوصا عندما يتم استحضار ما درج على تسميته ب" معركة التنزيل الديمقراطي للدستور "، إذ أن العديد من الفاعلين لا يخفون تخوفهم من الالتفاف على هذا المكتسب الدستوري، وإن على مستوى منطوقه، بتقييدات من شأنها إفراغه من محتواه، لأن المعادلة المطروحة هي كيف يمكن مصالحة الديمقراطية التشاركية مع حكومة أغلبية، مادامت الملتمسات التشريعية ستكون دائما في قلب انتقاد الأغلبية في السلطة أو في المؤسسة التمثيلية.

   إن احتمالية وجود توترات بين الفاعلين و أصحاب المبادرة التشريعية من أحزاب المعارضة والمجتمع المدني ومجموعات الضغط ستظل قائمة، خاصة وأن الملتمس التشريعي هو آلية لتدخل المواطنين، ونشاط سياسي يمكن أن يقال عنه " هامشي " ( Jean-Gabriel CONTAMIN )، خارج الحقل السياسي، لكنه منجذب على حدود النظام ومنفلت من قبضته ( J. Chevalier ) بل وغير مرغوب فيه من لدن النظام السياسي (D. Memmi ).

   والملاحظ أن ربط المبادرة التشريعية الشعبية ب " ملتمس" بكل ما تحيل عليه هذه الكلمة من معاني الخضوع المرتبطة بثقافة الاستجداء والمناشدة أو الاستعطاف، التي تبين دونية المُلتمِس المواطن/الناخب وتعالي المُلتــَمَس لديه المنتخب/ البرلمان، وتوضح طبيعة هذا المقتضى الذي من المفترض أنه ينظم حقوق وحريات المواطن واستجلاء مكانته في الهندسة الدستورية الجديدة، ويمكن أن يمثل مقدمة لإذابة الحواجز بين الحقوق والمؤسسات الدستورية، والابتعاد أكثر عن هواجس الضبط والتنظيم.

 ثم إلى من يوجه الملتمس؟ هل إلى البرلمان؟ وكيف يلتمس الناخب من المنتخب؟!...

   لذلك فإن المأمول في القانون التنظيمي المرتقب هو تحصين الحق في المشاركة، وتأمينه من خلال مبادئ المساواة وعدم التمييز وتسييج أصالة هذا الحق وعدم قابليته للتصرف بعيدا عن كل أنواع الضغط، وتمكين المواطنين من مسالك شكلانية قمينة بتطوير انشغالهم بالشأن العام. 

  والملاحظ أن الفصل 14 من الدستور جاء غير واضح بخصوص من يحق لهم الاستفادة من المبادرة التشريعية، حيث اكتفى بالتنصيص على" المواطنات والمواطنين " دون الإشارة إلى ما إذا كان الأمر مقتصرا على المواطنين الذين لهم حق التصويت في الانتخابات كما هو الشأن في أغلب الدساتير الأوربية ( ليتوانيا، بولونيا، ألبانيا، إيطاليا، هنغاريا...)، والتي تقصي كل الأجانب وكل شخص محروم من حقوقه القانونية، أم يشمل كل الأفراد بصرف النظر عن معايير الأهلية القانونية، بشرط أن يكون المُوقًّع مؤهلا للتعبير بوضوح عن موضوع العريضة كما هو معمول به في " ألمانيا "  أو في " إيرلندا الجديدة ".

   ويبدو أن المشرع الدستوري أراد ترك تنظيم هذا الحق للقانون التنظيمي، فهل يمكن توقع فتح المجال بدون استثناءات ؟ هل يمكن قبول عرائض موقعة من قبل عناصر القوات المسلحة، أو تلك الخاضعة للنظام العسكري وشبه العسكري، وإن بصفة فردية ؟ هل يمكن أن يشمل حتى الأجانب المقيمين بالمغرب طبقا لنظام المعاملة بالمثل في علاقته مع دول الجاليات القاطنة بالبلد ؟  

  من المفترض أن يجد القانون التنظيمي للملتمسات التشريعية صيغة مُوازِنة وواضحة لتطبيقاتها العملية، التي هي في الأصل تدخل ضمن التصرفات غير التقليدية وغير الشكلية، في صيغة واضحة وشفافة وخالية من أية شكوك قانونية يمكن أن تكون وراءها إرادة متعمدة لأجل عدم استيضاح معايير مقبوليتها، بأن تتركها عامة وواسعة حتى يُخَول للبرلمان المحافظة على كل سيادته في مآل الملتمسات.

- التوقيعات والآجال وإمكانات التحريف :

إذا كان من بين أهم الدروس المستخلصة هو أن عدد التوقيعات والآجال حاسمة في إرادة توسيع مجال المشاركة أو تضييقها، فإن ملابسات ولوج الملتمس التشريعي المعترك البرلماني وخروجه منه لا يقل أهمية عن باقي التضييقات الأخرى، بالإضافة إلى نطاق الملتمسات الموضوعاتية.  

- التوقيعات

إن التنصيص على عدد معين من التوقيعات في أدبيات الملتمسات التشريعية وفي التجارب المقارنة هو لاختبار جدية الملتمس التشريعي، ومعرفة ما إذا كان  مدعوما ومسنودا من فئات واسعة من المواطنين سياسيا، حتى لا يتم التلاعب بالمبادئ المؤسسة لحق المبادرة التشريعية نفسها، لكن الرفع من عدد التوقيعات يعطل هذه الآلية، ويجعل الولوج إليها تعجيزيا ومحتكرا من قبل التنظيمات السياسية القوية ومجالا محجوزا للمجموعات والتنظيمات الأكثر تنفدا، وتتحول هذه الآلية الى رهينة ما يمكن تسميته ب " المقاولون التشريعييون " الذين قد يوظفون مواطنين لصالح مصالح دقيقة تغيب فيها المصلحة العامة. لذلك فالتقييد على مستوى عدد التوقيعات من المفترض أن يكون أكثر تلائما مع الوظيفة الديمقراطية ومساطرها، وأكثر قدرة على منح أنماط إضافية تكميلية للمشاركة السياسية لدعم البنيات التمثيلية والمشروعية السياسية، إن التجارب المقارنة تفيد أنه عندما يكون عدد الموقعين غير مرتفع أو متوسط، يكون ولوج المواطنين سهلا لآلية المبادرة التشريعية والعكس صحيح، ونظرا للعدد المتزايد للمبادرات التشريعية في " سويسرا" "بلد العرائض"، فهناك من يطالب بمضاعفة عدد الموقعين أو تتليثه، وإن بمبرر تزايد عدد السكان منذ 1977.

   وجذير بالذكر أن عدد الموقعين في أوربا يتراوح ما بين 1000 مواطن في " إيختنستاين " و  500.000  في " إسبانيا ".

  ويمكن اقتراح نسبة أقل من 5% من عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، بالنظر إلى نسبة العزوف الانتخابي المسجلة بالمغرب، ولأن البرلمان في آخر المطاف يظل سيد الموقف، ولاعتبارها إمكانية ضمن أخرى لمصالحة المواطن مع السياسة ومن خلالها مع الشأن العام، وكذا لكونها أكثر تأقلما مع الوظيفة الديمقراطية ومساطرها، وكشكل تكميلي للمشاركة السياسية والبنيات التمثيلية القائمة، ف "لا مجال للتشكيك أبدا في أن مجموعة صغيرة من المواطنين المفكرين والناشطين اجتماعيا تستطيع أن تغير العالم، هذا هو الأمر الوحيد الذي غير العالم من قبل"، لذلك نصت "الأرجنتين "على 1,5% من الناخبين المسجلين في آخر انتخابات تشريعية، على أن توزع التوقيعات على ست مقاطعات انتخابية، إلا إذا كانت المبادرة تقترح المصادقة على تشريعات من طبيعة جهوية، في حين اكتفت " البيرو " ب 0,3 % من الهيئة الناخبة.

   ومن الوارد أن تكون التوقيعات مكتوبة وإلكترونية، وفي نفس الوقت أن يتم الاكتفاء بالبصم للأميين من أجل تسهيل عملية جمع التوقيعات وإشراك الجميع بكل فعالية ويسر.

- الآجال :

   وبخصوص الآجال فإذا كانت ضيقة فإنها ستحد من استعمال هذا الحق، لأن الأجل يسمح بنشر المعلومات وعرض مختلف وجهات النظر، وإعطاء الفرصة لإثارة مسار التداول العمومي، وإعطاء الوقت الضروري ليحل النقاش العقلاني محل النقاش العاطفي المحكوم في بعض الأحيان  برد الفعل، وكل تضييق في الأجل سيعطي حظوظا أكثر لمن لهم خبرة في توظيف " الآلات التسويقية ". لذلك من المفترض أن تتمتع الملتمسات التشريعية بحق، أو بالأحرى، بواجب مناقشتها وتداولها وعرضها علانية والبث فيها كذلك في آجال معقولة.

-الإكراهات المحتملة للمبادرات التشريعية :

  يمكن أن نخلص إلى أن الشروط الأكثر تطلبا هي إرادة متعمدة للتضييق والحد من الاستعمال المضطرد لهذه الآلية الديمقراطية النصف المباشرة، والحيلولة دون اندماجها في النظام الدستوري والسياسي، خصوصا عندما تكون هذه الشروط ُملَبًَّسَة بثقافة سياسية غير تشاركية في ظل صمود تقاليد نظام سلطوي لا يوفر أية شروط أو بنيات استقبالية جاهزة.

  لذلك هناك تخوف من أن ينضاف المغرب إلى لائحة العديد من الدول التي تمتلك هذا الحق كزينة دستورية، لم يسبق أن وصلت بعض البلدان إلى مستوى تفعيله ك"روسيا" و"جورجيا" و "مولداڤيا"...أولم يتم اللجوء لهذا الحق إلا نادرا مثل دول أروبا الشرقية والوسطى ك "هنغاريا" و"ليتوانيا " و"سلوڤاكيا "و"سلوڤينيا"...بالإضافة إلى بعض بلدان أمريكا اللاتينية مثل "بوليڤيا "و"كولومبيا" و"فنزويلا"...

  في المقابل، نجد أن الملتمسات التشريعية في تجارب أخرى أصبحت جزءا لا يتجزأ من الحياة السياسية، وخولت للمواطن صوتا قائم الذات...مثل سويسرا، بولونيا، ايطاليا، بعض الولايات الأمريكية، اللندرات الألمانية،...  والراجعة بالأساس إلى تخفيض سقف الاشتراطات، وتليين المساطر والإجراءات.

    وجذير بالذكر أن الملتمسات التشريعية الشعبية يمكن أن تجد مقاومة من طرف المنتخبين والحكومة الذين سينظرون إليها كمنازع أو منافس لاحتكارهم التشريعي، خاصة وأن البرلمان سيحتفظ بسلطته التقديرية للتقرير في مآلها، إذ أن البرلمان، حسب هذا الطرح، لا يمكن أن يأخذ شكل صندوق بريد، بل لابد للملتمسات أن تحجز لنفسها مكانا تحت السيادة البرلمانية، مادامت مجرد ملتمس اقتراحي وغير ملزم، ومجرد وسيط لاحتمالية إرادة عامة، أو أقلية شعبية تمثل أغلبية مفترضة، وبالتالي يصعب تقديم المبادرة التشريعية كما وردت، على الأقل، في الفصل 14من الدستور كشكل من أشكال ممارسة الديمقراطية المباشرة، لأن الكلمة والقرار الأخير يرجع إلى البرلمانيين المنتخبين، أي إلى البرلمان.

 إذا كان من شأن هذه الملتمسات أن تعبر عن تفاصيل مشاكل صرفة، فإنها تسمح بأن تمثل بشكل أفضل حالة الصحة الاجتماعية للمجتمع، في أفق أن تتحول إلى إجراء لمصاحبة الوظيفة السياسية في المغرب.

   إن خلق الانسجام بين حق الملتمس التشريعي مع مختلف الأعمال التشريعية ومنطقها من شأنه تغيير شكل الملتمس مسبقا، وإعادة كتابته ثانية واستعادته من قبل هذا المنطق، لأن الملتمس التشريعي القادم من " الهامش المبعثر" أو المضطرب الذي يريد أن يتسرب إلى " قطاع مختلف هيكليا عن الفضاء الاجتماعي " (M Dobry 1986 )، ليس له قَدَر آخر غير أن يخضع للتحوير والامتصاص و تحريف الاتجاه أو الإرجاع، بعد دخوله الى ما يسميه الإداريون ب " الجحيم "، هذه كانت أهم خلاصات ( Jean-Gabriel CONTAMIN ) حول الاستقبال البرلماني لممارسة سياسية سماها ب " الهامشية"...والتي يمكن أن تنطبق على الملتمس التشريعي بالمغرب إلى حد بعيد...

  ورغم كل هذه الإكراهات المحتملة التي يمكن أن تجعل من القانون التنظيمي المرتقب للملتمس التشريعي مولودا ميتا، ومهددا بالسقوط في دائرة النسيان بفعل عدم الأجرأة، هو فرصة بيداغوجية للاحتكاك مع السياسة وإطلاق النقاش، وجعل المؤسسات الدستورية في حالة إنصات لدينامية المجتمع، وأمام استحقاق دائم هو احترام الإرادة الشعبية التي لم تعد مستعدة لتفويض كل شيء لمؤسسات تمثيلية لها منطقها الخاص بها، حتى إن كانت صورية كما يقول  " عبد الله العروي "

- تفاصيل مهمة :

   من المفترض في القانون التنظيمي للملتمسات الشعبية أن يوفر بنية استقبالية مرنة، بسيطة، خالية من التعقيد، بدون بيروقراطية، وتتفادى التضخيم من الاستثناءات...مع السماح للمبادرين كما المعارضين بفرصة لعرض وجهات نظرهم وحججهم لولوج وسائل الإعلام العامة والخاصة على قدم المساواة، واحترام مبدأ حرية التعبير، ويمكن للهيأة العليا للسمعي البصري أن تكون حاضرة بقوة في هذا المجال، كما أن الحكومة مطالبة بتوفير الإمكانات المالية واللوجيستيكية لذلك، وضبط وسائل التمويل المنصف واعتماد مبدأي الشفافية والمحاسبة، ونشر المعلومات المحايدة بخصوص موضوعات الملتمسات، حتى يتمكن المواطنون من القيام باختياراتهم على عِلْم.

  ولكي تكون للملتمسات التشريعية الأهمية اللازمة يجب أن يكون موضوعها وهدفها دقيقا وواضحا أكثر ما يمكن وغير قابل للتأويل، إذ أن الاستعانة بدوي الاختصاص ( أكاديميين ) والخبرة ( برلمانيين، سياسيين ) ليس مجرد ترف، على أن تتحاشى الملتمسات تقديم الموضوع من وجهة نظر سياسية، والاكتفاء بإطار المطالب واختيار الزمن المناسب لتقديمها...

  ويمكن أن نضيف إلى التقييدات ما يمكن تسميته بمجال أو نطاق الملتمسات التي يمكن أن تكون موضوعا لها، بأن يتم استثناء تعديل الدستور أو المواثيق الدولية أو أن يكون موضوعها ضمن القضايا المعروضة أمام القضاء أو تدخل ضمن اختصاصه...بالإضافة إلى مراعاة الإطار العام للدستور المغربي وتوابته  واختياراته ومجموع التراكمات الإنسانية من تسامح ونبذ الكراهية والتطرف وإدراكها للحقائق السوسيولوجية للمجتمع المغربي...وأن تكون واقعية وغير خيالية، وقد يكتفي القانون التنظيمي بتحديد مجال الملتمس بما هو منصوص عليه ضمن مجال القانون طبقا للفصل 71 من الدستور. وفي هذا السياق تتفاوت الاستثناءات من بلد لآخر، إذ ينص بعضها على عدم تعديل القوانين التنظيمية، في حين تذهب أخرى إلى حظر المس بالقانون المالي و وموازناته أو بالضريبة والقانون الجنائي وكل ما له صلة بالعلاقات الدولية... 

   ثم إن الجهة التي يمكن أن تقوم بالإشراف على عملية جمع التوقيعات والبت فيها وإحالتها على البرلمان، لا تقل أهمية عن التفاصيل السابقة، وبالنظر إلى التجارب الدولية ليست هناك جهة موحدة تم اللجوء إليها.

   في المغرب وبالنظر إلى ذاكرة انعدام الثقة في الأجهزة الإدارية التي أشرفت على الانتخابات ومنازعة العديد من الفاعلين فيها، يتعين التفكير في جهة مستقلة ومحايدة حتى لا تضيع شرعيتها، وتكون لها قابلية لتلقي مبادرات المواطنين بمنأى عن أية شكوك.       

  إن الملتمس التشريعي فرصة لوضع النظام بأسره على المحك، واختبار رحابته الديمقراطية، ومدى إمكانية السماح باقتحام المعايير الممأسسة التي تحكم الخطابات والممارسات السياسية...

 

المراجع المعتمدة :

 

- Jean-Gabriel CONTAMIN : La récéption parlementaire d'une pratique politique " Périphérique" Le droit de pétition entre réfraction et rélexion, CURAPP,La politique ailleurs,PUF,1998.

- Démocratie directe: Un aperçu du Manuel d' International IDEA

- Les mécanismes de démocratie directe sont - il compatible avec la démocratie représentative?Etudier EXG Mascarade ."Monde du Travail " Le Droit 2013

- Commission Européen pour la démocratie par le droit (Commission de Venise) Rapport sur l'initiative législative - Adopté par la commission de Venise lors de sa 77 session pléniére (Venise ,12- 13 décembre  2008) sur la base des observation de :

M.Sergio BARTOLE (membre,Italie)

Mme. Angelika NUSSBERGER  (Suppléante,Allemagne)

Mme. Murielle MAUGUIN HELGE (Expert, France)

 

- SYLVAIN ALLMAND : " La démocratie une idée simple et... Un problématique"Sciences Hummaines.N:81

- Bruno Hofer : " Les initiatives populaires en suisse de 1891à 2012 "

- Nadia Gouy : " Étude de Législation Comparée : Les Conditions et Modalités relatives à l'exercice du Droit de Pétition et d'Initiative populaire en matiére législatives " hiwarmadani 2013. ma/Storedfileattach/136974855.pdf