ابراهيم الحيمر

تحسنت المؤشرات الماكرواقتصادية سنة 2013 بفضل التضحيات التي قدمها كل من المواطن الذي كان ينتظر جني ثمار التضحيات السابقة وكذلك المقاولة التي كان يفترض تهييئها لمواجهة المنافسة الشرسة في الأسواق الداخلية والخارجية...

تمكنت الحكومة من تحسين بعض المؤشرات الاقتصادية واستعادة جزئية للتوازنات الماكرواقتصادية سنة 2013 وذلك بالمقارنة مع سنة 2012 ولاسيما فيما يتعلق بجلب 40 مليار درهم على شكل استثمارات أجنبية مباشرة التي نمت بنسبة 24% وكذلك بخفض عجز الخزينة بنقطتين إذ انتقل من 7.3% إلى 5.4% من الناتج الداخلي الإجمالي.

إلا أن هذا التحسن لا يمكن اعتباره بأي شكل من الأشكال إنجازا خرافيا قامت به الحكومة حيث أن الفترة المقارن بها هي سنة 2012 التي تدخل في ولايتها وبالتالي فهي تتحمل جزءا وافرا من مسؤولية تدهور مؤشرات التوازنات الماكرواقتصادية وتراجع أداء الاقتصاد الوطني خلال هذه السنة.

وعلى مستوى الرقم القياسي المسجل في الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فإنه يعتبر إنجازا مهما لكنه في الواقع هو ثمرة تراكمات ومجهودات بذلت منذ نهاية التسعينيات عن طريق إصلاحات قامت بها الحكومات المتعاقبة وساهمت بشكل كبير في تحسين مناخ الاستثمار الذي مازالت فيه القيمة المضافة للحكومة الحالية متواضعة جدا.

وبالنسبة للتوازنات الماكرواقتصادية، فإن الأرقام المسجلة لا ترقى إلى مستوى المعدلات المحققة في السابق التي لم تكن تتعد 3% بخصوص عجز الخزينة من الناتج الداخلي الإجمالي و2% بالنسبة للتضخم في الوقت الذي كان يغطي فيه إحتياطي العملات الصعبة حوالي 11 شهرا من الواردات بدلا من أربعة أشهر وبضعة أيام حاليا.

وفضلا عن ذلك، فإن هذا التحسن جاء نتيجة اتخاذ مجموعة من الإجراءات الاستعجالية خلال الأشهر الأخيرة وصفت من طرف رئيس الحكومة وأعضائها وكذلك بعض القيادات في أحزاب الأغلبية بالشجاعة والجريئة لكن في نفس الوقت بالمؤلمة وهو الأمر الذي يتطابق تماما مع كون هذه الإجراءات المعتمدة لها هاجس موازناتي على حساب الهاجس الاجتماعي للمواطن والتنافسي للمقاولة.

فالمواطن الذي كانت له تطلعات كبيرة وينتظر من الحكومة الحالية أن تأتي ببعض الحلول لمشاكله الاجتماعية المرتبطة أساسا بالتشغيل والسكن والصحة والتعليم، فوجئ بقرارات متتالية أضعفت قدرته الشرائية وساهمت بشكل كبير في تدهور أوضاعه المعيشية وطلب منه تقديم المزيد من التضحيات في سبيل استعادة التوازنات الماكرواقتصادية بدعوى أنه يتفهم الوضع جيدا وذلك في الوقت الذي كان يسود فيه الاعتقاد أن زمن التضحيات قد ولى مع انتهاء تطبيق سياسة التقويم الهيكلي في الثمانينيات تحت إشراف صندوق النقد الدولي والبنك العالمي.

وبخصوص المقاولة، فالمغرب يراهن عليها كثيرا لمواجهة سياسة الانفتاح والانخراط في الاقتصاد الدولي والتي توجت بالتوقيع على مجموعة من اتفاقيات التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية وتونس ومصر والأردن وتركيا وخصوصا مع الاتحاد الأوربي حيث ينتظر إجراء الجولة الرابعة من المفاوضات في شهر مارس القادم بشأن التبادل الحر الشامل والمعمق بين الطرفين. إلا أن المقاولة المغربية لم تستعد بشكل كاف لهذا الموعد من أجل مواجهة المنافسة الشرسة في الأسواق الداخلية والخارجية. وفي الوقت الذي كان يتعين على الدولة الوقوف إلى جانبها خاصة في هذه الظرفية المتميزة باحتدام المنافسة، نجد أنها اتخذت مجموعة من الإجراءات ساهمت في تأزم وضعية العديد منها خاصة المقاولات المتوسطة والصغرى التي تمثل نسبة أزيد من 90% من النسيج الاقتصادي الوطني.

ومن بين أهم هذه الإجراءات السماح بالحجز من حسابات المقاولات البنكية في حالة النزاعات مع الدولة مما ترتب عنه ضعفا في السيولة النقدية لدى النظام البنكي الذي صعب بفعل ذلك شروط الحصول على القروض التي أصبحت المقاولات الكبرى هي الأكثر استفادة منها بنسبة تقارب 85%.

وفي نفس الاتجاه، اتخذت الحكومة أيضا إجراءات أخرى كان لها تأثير سلبي على الوضعية المالية بالمقاولات نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر قرار تجميد 15 مليار درهم من ميزانية الاستثمار برسم سنة 2013 وقرار توقيف صرف مستحقات المقاولات ابتداء من 31 أكتوبر المنصرم علاوة على مزاحمة الدولة للمقاولة في السوق النقدية الوطنية التي أصبحت تتسم بضعف الادخار الوطني.

إن ما تم تحقيقه سنة 2013 على مستوى تحسن مؤشرات التوازنات الماكرواقتصادية واستعادة توازنها لا يدخل في خانة الإنجازات بقدر ما يمكن اعتباره تصحيحا لوضع متدهور كان للحكومة الحالية نصيبا وافرا فيه من المسؤولية. لذلك فإن الإنجازات الحقيقية لا يمكن أن تتأتى إلا عن طريق اعتماد مقاربات تجعل في صميم اهتماماتها المواطن والمقاولة حتى لا يطلب منهما تقديم المزيد من التضحيات التي أصبحت تلازمهما إلى أجل غير مسمى.