عبد القادر الحيمر

أدى ارتفاع سعر صرف العملة الأوربية الموحدة "اليورو" مقابل الدينار الجزائري إلى خلق اضطراب كبير في السوق الداخلية الجزائرية وإلى حرمان الأسر المحدودة الدخل من تحسين مستوى عيشها أو على الأقل الحفاظ على ما كان عليه، فجل أسعار المواد الاستهلاكية سجلت ارتفاعات عالية المستوى لدرجة أن الذين استفادوا من الزيادات الأخيرة في الأجور لم يعودوا قادرين على مواجهة الغلاء الفاحش.

الوضعية الصعبة التي يعاني منها الشعب الجزائري استفحلت بعدما تراجعت مداخيل المحروقات وارتفعت نفقات استيراد المواد الاستهلاكية، وبطبيعة الحال فإن النظام الجزائري لا يمكنه أن يحمل المغرب مسؤولية هذا الوضع.

الوضعية الصعبة كانت متوقعة لأنها نتيجة موضوعية لعدة عوامل من أبرزها الاكتفاء بالاعتماد على اقتصاد الريع وتهدئة الوضع الداخلي بنشر ثقافة "النخوة" التي تعني عمليا إخفاء الواقع المر والتظاهر بالرفاه والاطمئنان والسعادة. فما أكثر المناسبات التي تمت فيها الدعوة إلى إنفاق جزء من مداخيل المحروقات في تنويع الأنشطة الاقتصادية، وما أكثر الدراسات التي بينت بأن المخزون الجزائري من المحروقات سينفد بعد بضع سنين، أما انعكاسات تطورات الأوضاع السياسية الدولية على السياسات الداخلية فهذا أمر عانت منه الكثير من الدول بما فيها تلك التي احتلت مواقع بارزة بين صفوف الدول المتقدمة، ولم يعد من المقبول أن تتدرع أي حكومة بجهلها لما يخفيه المستقبل.

المخاطر التي تواجه الجزائر أكبر من أن تحجبها الحملة الإعلامية والديبلوماسية الرامية إلى صرف الجزائريين عن همومهم الأساسية واليومية وإلى القبول بسياسة المتحكمين في مركز القرار الذين يتخذون من معاداة المغرب خيارا يضمن لهم الاستمرارية في الاستحواذ على الثروات التي تزخر بها الجزائر.

لقد بدأت اللعبة تنكشف، ومع ذلك فإن الرئيس الجزائري الذي يراد له أن يفوز بولاية رئاسية رابعة حتى ولو نال منه المرض مناله، يفضل أن يصب الزيت في النار على أن يبادر إلى إهماد نار الفتنة ويواجه مخاطر الجوع والأوبئة الاجتماعية التي تفشت لدرجة أن القوات الأمنية فقدت السيطرة على بعض أحياء العاصمة وصار السكان يؤتمرون بأوامر العصابات والمجرمين.

إن ما لا يخفى على الشعب الجزائري، وعلى الجزائريين الذين سبق لهم أن زاروا المغرب بشكل خاص، هو أن المغرب الذي يعتبر من بين الدول العربية النادرة التي تستورد البترول بدل أن تكون مصدرة له، استطاع أن يعوض هذا النقص الطبيعي بخيارات سياسية واقتصادية جعلته يكسب ثقة العديد من الدول والهيئات وكبريات الشركات العالمية، إنه النموذج الحي للتأكيد على أن الفوارق لا تعد انطلاقا من كون النظام ملكي أو جمهوري، فهذا المنطق المتجاوز عوضه منطق نوعية الحكامة وانعكاساتها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وعلى الآفاق المستقبلية لكل بلد.

من الواضح أن مراكز القرار في الجزائر واعية بما يجري حولها وبالمخاطر التي تواجهها، ولا أدل على ذلك من كونها، ومند عودة بوتفليقة من العطلة المرضية التي قضاها في فرنسا، بادرت إلى رفع ميزانية الجيش بدعوى تدهور الوضع الأمني على كافة الحدود الجزائرية، كما بادرت إلى الظهور بمظهر الحامي للمال العام من خلال مسايرة ملف نهب أموال سونطراك الذي تفجر في إيطاليا وفي دول أخرى. في نفس السياق بادرت الحكومة إلى تكثيف أخبار إبرام معاهدات واتفاقيات مع مستثمرين أجانب، كان أخرها الإعلان عن صفقة مع مجموعة صينية لصناعة السيارات في الجزائر، وعن اتفاقية مع مستثمرين من إيرلندا وإنجلترا للاستثمار في 20 مزرعة على مساحة 120 ألف  هكتار بولايتي المنيعة وغليزان، بحيث تتوفر كل مزرعة على حوالي 3000 بقرة، فهذه المشاريع التي يتم الترويج لها تحت غطاء تقليص الواردات من اللحوم والأجبان، لا يمكن مقارنتها بمخطط المغرب الأخضر، لأنها بكل بساطة لم تحدد موارد المياه التي تغطي حاجيات تقدر بحوالي 80 لتر في اليوم لكل بقرة، ولم تحدد مصادر العلف ولا مصير السكان المقيمين أو المجاورين للأراضي التي ستقام عليها هذه المزارع.

إن كل محلل موضوعي لا يمكنه إلا أن يقر بأن الأوضاع الداخلية والخارجية للجزائر زادت من مخاطر الاستثمار وصارت تدعو إلى القلق، لأن معاداة السياسة الخارجية الجزائرية لدول الجوار وتراجع واردات المحروقات التي تمثل حوالي 90% من مجموع مداخيل الخزينة أفرز واقعا سياسيا واجتماعيا يستحيل حله بمنطق "النخوة" المهيمن على الخطب والتصريحات الرسمية، فمعالجة القضايا الأساسية المستعصية لا تتم بإخفائها أو بتحميل مسؤولية تفشيها للغير، وإنما بمسك الثور من قرونه، وهذا ممكن شريطة التخلي عن معاداة من يمكنه أن يكون خير سند للقضاء على مخاطر البطالة والجوع والجريمة التي هي أشد من مخاطر أي ثور.