ابراهيم الحيمر

بعدما كان المواطن المغربي يراهن على حكومة ما بعد دستور 2011 في تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحسين ظروفه الاقتصادية والاجتماعية فوجئ بقرارات لم تختلف كثيرا عن تلك التي أمليت على المغرب إبان تطبيق برنامج التقويم الهيكلي في سنوات الثمانينيات من القرن الماضي والتي تمكن خلالها من إعادة تصحيح التوازنات الماكرواقتصادية على حساب التوازنات الاجتماعية.

كنموذج على ذلك نسوق مثال إصلاح نظام المقاصة الذي شرعت الحكومة في تنفيذه، فالهدف من هذا الإصلاح لم يكن هو دعم الفئات المستهدفة التي أنشئ من أجلها الصندوق بقدر ما كان هدفا محاسباتيا صرفا لتخفيف الضغط على الميزانية إذ أن حجم الدعم تقلص من 52 مليار درهم سنة 2012 إلى 40 مليار درهم سنة 2013 ومنه إلى 35 مليار درهم سنة 2014، وما كان بإمكان الحكومة تحقيق ذلك لولا اللجوء إلى الزيادتين الهامتين في أسعار المحروقات ، وخاصة الزيادة الأولى في منتصف سنة 2012  بدرهمين في لتر البنزين و بدرهم واحد في لتر الغازوال، ثم الزيادة الثانية الناتجة عن تطبيق نظام المقايسة، وحيث أن التطور العام لأسعار البترول يتخذ منحى تصاعديا فإن ذلك سينعكس على أسعار المحروقات في محطات البنزين رغم بعض التراجعات الطفيفة التي قد تسجل بين الفينة والأخرى، وبما أن هذه القرارات لم تصاحبها إجراءات مواكبة فقد كان من الطبيعي جدا أن تتأثر القدرة الشرائية للمواطن، خاصة فئات متوسطي ومحدودي الدخل.

النموذج الثاني للإصلاحات يهم إصلاح نظام التقاعد الذي تعتزم الحكومة مباشرته في السنة الحالية ليتم تطبيقه سنة 2015 على أبعد تقدير، فهذا الإصلاح يهدف إلى تفادي الإفلاس الحقيقي لصناديق التقاعد، وخاصة الصندوق المغربي للتقاعد، الذي في حالة ما إذا استمر الوضع على ما هو عليه سوف يتعذر عليه صرف المعاشات للمتقاعدين في أفق سنة 2021. بما أن الحكومة لا يمكنها أن تقود هذا الإصلاح بمفردها وتحتاج إلى الفرقاء الاقتصاديين والاجتماعيين لإنجاح هذا المشروع، فإن المفاوضات حوله ستكون بدون شك عسيرة، بالنظر إلى تباعد المواقف بين الحكومة من جهة والمركزيات النقابية من جهة ثانية، وما يؤكد ذلك هو رفض بعض المركزيات دعوة رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران الموجهة إليهم يوم 9 دجنبر 2013 لمناقشة المقترحات التي خلصت إليها اللجنة المكلفة بإعداد مشروع الإصلاح، ومن أهم تبريرات هذا الرفض اتهام المركزيات النقابية للحكومة المغربية بتجميد الحوار الاجتماعي، الذي يعتبر إصلاح نظام التقاعد جزءا لا يتجزأ منه.

من ناحية أخرى، وعلى الرغم  من أن مضامين هذا الإصلاح لم يكشف عنها بعد ، إلا أنه لا يصعب التنبؤ بأهم مرتكزاته من خلال تلميحات رئيس الحكومة في حديثه عن الموضوع بالبرلمان في أكثر من مناسبة، ويتعلق الأمر هنا بمحورين اساسيين، وها الزيادة في سن العمل والرفع من قيمة الاقتطاعات، وقد استشهد ابن كيران في هذا الموضوع بتجارب بعض الدول الأوربية التي أضافت مدة تتراوح بين سنتين و 5 سنوات في سن العمل.

إن مثل هذه المقارنة لا يمكن إلا أن تكون مغلوطة وأن تؤدي إلى نتائج غير مرضية، فإذا استشهدنا بحالة فرنسا التي رفعت سن التقاعد قبل بضع سنوات من 60 إلى 62 سنة فإن قرارها كان مبنيا على معطيات مدققة تبين من خلالها أن الوضع الديموغرافي يتميز بساكنة تصل فيها نسبة الشيخوخة إلى مستويات مرتفعة ونسبة الشباب إلى مستويات ضعيفة وذلك بالرغم من سياسة التشجيع على النسل المعتمدة منذ سنوات، كما تبين من خلالها أن مردودية العامل في فرنسا عند بلوغ سن 62 لا تختلف كثيرا عن مردوديته في سن 60، والسبب الأساسي في ذلك في طول أمد الحياة الذي يقارب 90 سنة يقضي الإنسان فيها تلت حياته الأول في الدراسة والثلث الثاني في التعليم والثلث الأخير في التقاعد، أما بالنسبة للمغرب فإن الوضعية تختلف تماما لأن نسبة الشباب مرتفعة والأمل في الحياة يقل عن 75 سنة فضلا عن كون ظروف العمل والوضع الصحي للعامل غير قابلة للمقارنة خاصة أن مردودية العامل في المغرب بعد بلوغه 60 سنة تكاد تقترب من الصفر في العديد من القطاعات إن لم تتحول إلى سلبية.

كان من المفروض أن ينطلق إصلاح نظام التقاعد في المغرب بتحسين طرق تدبيره وبمحاربة الفساد الذي يطاله وباسترجاع الأموال المتلاعب فيها بالإضافة إلى جعل صناديق التقاعد إحدى آليات الاستثمار المؤسساتي الناجعة ، أما الاقتصار على رفع سن التقاعد ونسبة الاقتطاعات من الدخل ففي هذا وحده ما يبرر مخاوف المواطن البسيط  من الإصلاحات التي تعتزم الحكومة تطبيقها وما يزيد من مشروعية مواقف النقابات.