بقلم ذ. محمد المعاشي: باحث مختص في القانون الاجتماعي

هذا الجزء الخامس والأخير سنتطرق فيه لمنع المشرع المغربي المس بالحقوق والحريات النقابية وحرية العمل(ثامنا)، ثم في حالة توقيف وحل النقابة، فما هي المسطرة القانونية الواجب اتخاذها (تاسعا)؟، وذلك بعد أن تناولنا في كل من الجزء الأول ولو بإيجاز إلى نشأة الحركة النقابية في البلدان الأجنبية وفي المغرب (أولا)، ثم أهداف النقابات المهنية، ووقوفا على شروط المشرع في من يتولى إدارة النقابات (ثانيا)، وفي الجزء الثاني تطرقنا إلى الحريات النقابية ومظاهر الإعتراف على الصعيدي الدولي والمغربي (ثالثا)، وكذا الإكراهات التي تواجه الحريات النقابية بالمغرب (رابعا)، وفي الجزء الثالث تطرقنا لحرية الانخراط في المنظمات النقابية، مع الوقوف على شروط الانخراط ثم دور الممثل النقابي، وكذلك ماهي المنظمة النقابية الأكثر تمثيلا (خامسا)؟، وفي الجزء الرابع تناولنا فيه مدى أحقية النقابات المهنية في التقاضي (سادسا)، ثم كذلك أية حماية قانونية خولها المشرع للأجراء أثناء ممارستهم للعمل النقابي؟

 

 

ثامنا: منع المس بالحقوق والحريات النقابية وحرية العمل

 

أقرت مدونة الشغل على أهم الضمانات بمقتضى المادة التاسعة التي على إثرها ((يمنع كل مس بالحريات والحقوق المتعلقة بالممارسة النقابية داخل المقاولة وفق القوانين والأنظمة الجاري بها العمل، كما يمنع كل مس بحرية العمل بالنسبة للمشغل وللأجراء المنتمين للمقاولة.كما يمنع كل تمييز بين الأجراء من حيث السلالة أو اللون أو الجنس، أو الاعاقة، أو الحالة الزوجية، أو العقيدة، أو الرأي السياسي، أو الانتماء النقابي، أو الأصل الوطني، أو الأصل الاجتماعي، يكون من شأنه خرق أو تحريف مبدأ تكافئ الفرص، أو عدم المعاملة بالمثل في مجال التشغيل  أو تعاطي مهنة، لاسيما فيما يتعلق بالاستخدام، وإدارة الشغل وتوزيعيه، والتكوين المهني، والأجر، والترقية، والاستفادة من الامتيازات الاجتماعية، والتدابير التأديبية، و الفصل من الشغل.

يترتب عن ذلك بصفة خاصة مايلي:

  1. حق المرأة في إبرام عقد الشغل ؛
  2. منع كل إجراء تمييزي يقوم على الانتماء، أو النشاط النقابي للأجراء؛
  3. حق المرأة، متزوجة كانت أو غير متزوجة، في الانضمام إلى نقابة مهنية، والمشاركة في إدارتها وتسييرها)).

وهذه المادة جاءت مشفوعة بمقتضيات زجرية حسب المادة 12 من مدونة الشغل، تقضي بمعاقبة المشغل عن مخالفة أحكام المادة 9 بغرامة من 15000 درهم إلى 30000 درهم. وفي حالة العود، تضاعف الغرامة المذكورة، أما عند مخالفة الأجير لأحكام الفقرة الأولى من المادة 9 من مدونة الشغل، تتخذ في حقه عقوبة التوقيف لمدة 7 أيام، وفي حالة تكراره لنفس المخالفة خلال السنة تتخذ في حقه عقوبة التوقيف لمدة 15 يوما، أما في حالة تكرار لنفس المخالفة للمرة الثالثة، يمكن فصله نهائيا عن الشغل.

كما نصت المادة الأولى من اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 98 المتعلقة بحماية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية على أنه (( 1-  يجب أن توفر للعمال وسائل الحماية الكافية ضد أعمال التمييز التي يقصد بها الحد من حريتهم النقابية فيما يخص بالعمالة.

2-  تطبق مثل هذه الحماية بصفة خاصة بالنسبة للأفعال التي يقصد بها:

أ‌-        إخضاع تشغيل العمل لشروط عدم الانضمام لنقابة أو التنحي عن عضوية النقابة.

ب‌-    فصل العامل أو الإضرار به بأي صورة بسبب عضويته في النقابة أو مشاركته في النشاط النقابي في غير ساعات العمل أو خلال ساعاته بموافقة صاحب العمل)).

إذا أدى الأمر بعد المس بالحريات النقابية إلى درجة  توقيف أو حل النقابة، فما هي المسطرة القانونية المتبعة في هذه الحالة؟ 

تاسعا: حل النقابـة

ضمانا لاستقلالية المنظمات النقابية في ممارسة نشاطها النقابي، فإنه يمنع على السلطات العمومية من أن تقوم بحل أو توقيف المنظمة النقابية إلا بمقرر قضائي، حيث نص الفصل التاسع من الدستور المغربي، على أنه ((لايمكن حل الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية أو توقيفها من لدن السلطات العمومية، إلا بمقتضى مقرر قضائي)).

ونصت اتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التظيم رقم (87) الصادرة عن منظمة العمل الدولية في مادتها الرابعة على أنه ((لايجوز للسلطة الادارية حل منظمات العمال ومنظمات أصحاب العمل أو وقف نشاطها)).

كما نصت المادة 21 من الاتفاقية العربية رقم(8) بشأن الحريات و الحقوق النقابية على أنه ((لايجوز للجهة الإدارية وقف أو حل منظمة العمال أو منظمة أصحاب الأعمال، أو إحدى تشكيلاتها التنفيذية إلا بحكم قضائي، وذلك لمخالفة القانون أو النظام الأساسي للمنظمة...))

وقد أكد ذلك المشرع المغربي بمقتضى المادة 413 من مدونة الشغل الذي نص على أنه يمكن أن تحل النقابة، إما عن طواعية، أو بمقتضى قانونها الأساسي أو بحكم قضائي.

  • فحل النقابة عن طواعية يقرر باجماع الأعضاء المنخرطين أو بأغلبية المنخرطين إذا نص على ذلك قانونها الأساسي.
  • والحل بمقتضى قانونها الأساسي يأتي طبقا لما نص عليه هذا القانون، سواء تعلق الأمر بحلول الاجل متى كانت النقابة أنشئت لمدة محددة، أو سواء تعلق الأمر بانتهاء المشروع الذي من أجل هذا الأخير أسست النقابة.
  • أما حل النقابة المهنية قضائيا، فيمكن أن يصدر الحكم عن المحكمة الابتدائية.

 وكبفما كانت كيفية الحل، فلا بد من تقرير مصير ممتلكاتها. وبمقتضى المادة 413 من مدونة الشغل فإن ممتلكات النقابة المهنية تؤول إلى المستحقين المذكورين في القانون الأساسي، أو إلى مستحقيها، ذلك بناء على القواعد التي يحددها الجمع العام في هذا الشأن، خاصة عند سكوت القانون الأساسي عن ذلك.

أما إذا تقرر حل النقابة المهنية قضائيا، أمكن للمحكمة أن تقضي باعطاء تلك الممتلكات إلى مستحقيها، طبقا لقانونها الأساسي، أو أن تقضي بحسب ما تمليه ظروف النازلة، عند سكوت القانون الأساسي، أو عند تعذر تطبيق أحكامه.

خلاصة

إذا كان الأجراء هم الرأسمال البشري المرتبطون بشكل كبير بالمقاولة أو المؤسسة التي يشتغلون فيها، ويساهمون بقسط كبير في تنميتها والحفاظ على السلم الاجتماعي، وتعتبر المقاولة أو المؤسسة مصدر رزقهم وقوتهم اليومي، وتمنحهم وضعية اجتماعية واستقرارا وطمأنينة، كما تمنح لبعضهم إمكانية الترقي، لكن بمجرد ما ينخرط الأجراء في النقابة، فإن مصالحهم تصبح متعارضة مع المشغلين، خاصة مع رجال المال والادارة والسلطات الخارجية وكل الذين تربطهم علاقة بالمقاولة.

 ما إذا دفع الأمر بالأجراء إلى خوض إضراب وطني بالمقاولة أو بالمؤسسة -بعد توقيف جميع أبواب الحوار الاجتماعي والعمل على انهاء السلم الاجتماعي من طرف المشغل-، فتلك هي الطامة الكبرى، حيث ستتساقط على المضربين وابل من القرارات التعسفية وحرمانهم من الحقوق والواجبات، - حتى ولو كان ذلك مخالفا للقوانين-  وقد ينتقل الأمر كذلك إلى أزواجهم إذا كانوا بشتغلون في نفس المقاولة، كما قد يحرم أبنائهم من الاستفادة من الأعمال الاجتماعية.

 وفضلا عن ذلك، فإن المشاركون في الاضراب يصنفون ضمن المغضوبين عليهم من طرف المشغل، ضاربا هذا الأحير عرض الحائط مساهمة هذه الشريحة من الأجراء لسنين عديدة في الحفاظ على السلم الاجتماعي الذي كان سبب في تنمية المقاولة وإنقاذ المقاولة التي كانت على وشك الافلاس.

و يعتبر المضربون كأنهم إرتكبوا جريمة نكراء يعاقب عليها القانون، مما أصبح  أجراء المقاولات والمؤسسات يتسألون: هل توقيف الجماعي للأجراء عن القيام بعملهم، للتنديد بظروف العمل والمطالبة بتحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والمهنية، مخالف للقانون المغربي و جريمة يعاقب عليها القانون ؟

 إذا، أين الحرية النقابية المنصوص عليها في الدساتير والمواثيق الدولية والقوانين والأنظمة الداخلية، فهل نعتبر ذلك مجرد حبر على ورق؟ و هل الممارسة السليمة للعمل النقابي تؤدي الى عرقلة تنمية المقاولة أو المؤسسة وتمس يمصالح المشغلين؟ فأين نحن في دولة الحق والقانون؟

مما يطرح على المنظمات النقابية والأجراء تكثيف الجهود وتوسيع مجال ممارسة الحريات النقابية، كشرط أساسي لتنمية المقاولة المواطنة المغربية.