عبد القادر الحيمر

اتخذت الحكومة الفرنسية موقفا صارما واضحا يؤكد عزمها على حماية مقاولات النقل البحري والطرقي من الإفلاس الذي يهددها، أما في المغرب الذي عانت مقاولاته من المنافسة غير المتكافئة مع نظيراتها الأوربية، فإن تشدد المؤسسات العمومية وشبه العمومية في تطبيق القانون صار يشكل أحد العوامل الأساسية التي تهدد بإفلاسها الواحدة تلو الأخرى. 

حملت تصريحات الوزير الأول  ووزير النقل الفرنسيين ما يؤكد تشبث فرنسا بمقاولاتها العاملة في قطاع النقل البحري منه والبري وباستعدادها لحمايتها من الإفلاس الذي يطاردها بفعل تدهور نشاطها الاقتصادي.

فبالنسبة للنقل البحري أكد وزير النقل فريديريك كيفيليي يوم السبت 23 نونبر 2013 أن الحكومة الفرنسية لن تطالب باسترجاع المساعدات التي سبق أن قدمتها لشركة النقل البحري الفرنسية "إس إن سي إم SNCM " والبالغة حوالي نصف مليار أورو كما طالبت بذلك اللجنة الأوربية، فبالنسبة له فإن الامتثال لهذا القرار يعني الحكم على الشركة بالموت وهذه مخاطرة لا يمكن الإقدام عليها.

وعلى مستوى النقل الطرقي البري بادر الوزير الأول الفرنسي جون مارك آيرو إلى التأكيد على أن الحكومة ستبحث عن كل الحلول الممكنة لحماية شركة نقل الطرود  "موري ديكروس Mory Ducros," التي تشغل 5000 أجيرا، من الإفلاس المعلن عنه يوم الجمعة 22 نونب الجاري.

 الموقف المعلن عنه من طرف الحكومة الفرنسية يتضمن اعترافا صريحا بأن شركة النقل البحري التي تواجه اليوم خطر الإفلاس، كانت تتلقى مساعدات من المال العمومي، كما يتضمن إعلانا صريحا بالوقوف إلى جانب كل المقاولات المعرضة للإفلاس، سواء تجاه سلطات العاصمة الأوربية بروكسيل أو تجاه دول أوربا الشرقية التي تتهمها بإغراق السوق الفرنسية بالشاحنات التي كثيرا ما تنقل سلعا ما بين نقطتين داخل التراب الفرنسي. ففرنسا التي عانت منذ سنة 2008 من الانكماش الاقتصادي وصارت تواجه معضلة البطالة وتدني القدرة الشرائية يمكن أن يعتمدها المغرب كمرجعية في التعامل مع مقاولاته وخاصة منها العاملة في قطاع النقل البري منه والبحري والجوي.

اعتماد فرنسا كمرجعية في التعامل مع المقاولات المغربية يستمد قوته من كون الدعم والمساعدات المالية والقانونية التي كانت توفرها الحكومات الأوربية، ومن بينها فرنسا، كان له الوقع الكبير على المقاولات المغربية التي وجدت نفسها مطالبة بالاعتماد على نفسها، ليس فقط لمواجهة القرارات الأوربية التي حرمتها من الحق في الاستفادة من فترات بدون سداد قد تصل إلى 3 أشهر أو أكثر وصارت تطالبها أحيانا بالأداء المسبق، وإنما أيضا لمواجهة القرارات المغربية المتمثلة في كون المؤسسات العمومية والشبه العمومية صارت تضع موازنة حساباتها الخاصة فوق كل اعتبار وخارج كل سياسة شمولية أو قطاعية، بل ولمواجهة مواقف البنوك التي صارت، بفعل ندرة السيولة، تقصي قطاعات بأكملها من الحق في الاستفادة من التمويل بشروط ميسرة، وهذا الإقصاء شمل حتى بعض القطاعات الاستراتيجية كقطاع النقل.

لقد كانت الحكومات الفرنسية المتعاقبة، بغض النظر عن ألوانها السياسية، حريصة على دعم كل المقاولات العاملة في القطاعات الاستراتيجية، ومع أن فرنسا فقدت حرية التصرف منذ أن انخرطت في بناء الاتحاد الأوربي وفي صياغة قوانينه، فإنها تجتهد اليوم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه اعتمادا على تظافر جهود المؤسسات العمومية والمستثمرين، أما في المغرب، الذي اختار بمفرده الانفتاح على الخارج وانضبط لبنود الاتفاقيات المبرمة مع الشركاء الأجانب دون أن ينضبط لإجراءات المواكبة التي التزمت بها الحكومة تجاه المقاولات المغربية، فإن ما يجري في فرنسا غني بالدروس، لأن حماية الموازنة المالية للمؤسسات العمومية ومحاربة البطالة كلها خيارات لا يمكنها أن تتم بمعزل عن حماية المقاولة، وعندما يتعلق الأمر بالنقل الذي يمثل حلقة أساسية في الاستراتيجية اللوجيستيكية فإن الوعي بطبيعة وحجم المخاطر يفرض استخلاص العبر والوقوف إلى جانب المقاولات المغربية على أسس اقتصادية صلبة وشفافة.