عبد القادر الحيمر

جدد وزير الاقتصاد والمالية محمد بوسعيد موقف الحكومة الرامي إلى رفع سن الإحالة على التقاعد من 60 إلى 62 سنة وإلى رفع نسبة الانخراط في صناديق التقاعد، وبذلك تأكد أن كل الاجتماعات والندوات التي نظمت على مدى عدة سنين أسفرت عن دراسات واقتراحات وتوصيات دون أن تسفر عن حلول جديدة ترضي كافة الأطراف وتحمي المغرب من الدخول في نزاعات اجتماعية هو في غنى عنها وغير قادر على تحمل تبعاتها.

كان من المنتظر أن يكون انعقاد المجلس الإداري للصندوق الوطني للتقاعد يوم الثلاثاء 7 يناير 2014 فرصة يعلن فيها رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران عن إجراءات جديدة منبثقة عن الحوار الذي راج بين مختلف الأطراف المعنية في عدة مستويات وعلى مدى عدة سنين، ولكن بنسعيد، الذي ناب عن رئيس الحكومة في ترأس الاجتماع، لم يأت بأي جديد سوى تأكيد إصرار الحكومة على تنفيذ نفس المقترح الذي عارضته النقابات معارضة شديدة.

إصرار الحكومة على تنفيذ قراراتها دون الأخذ بعين الاعتبار آراء الشركاء الاجتماعيين وباقي الأطراف المعنية لم يقتصر على نظام التقاعد وإنما شمل صندوق المقاصة من خلال الزيادة في أسعار المحروقات وتطبيق نظام المقايسة، وشمل كذلك الانفراد بالقرار في التعامل مع ملفات اقتصادية واجتماعية حيوية مثل قطاع الصحة والتعليم والموانئ والنقل، فرغم أن مسؤولية معالجة وضعية الإفلاس التي تهدد الصندوق المغربي للتقاعد تقع بشكل مباشر على الدولة، لأنها في هذه الحالة بالذات تقوم بدورين في أن واحد، فهي من جهة المسؤولة عن تنظيم القطاع وعن حماية مصالح المنخرطين، المدنيين منهم والعسكريين، وهي من جهة ثانية المشغل الذي يفترض فيه أن يفي بكافة التزاماته تجاه الصندوق بما في ذلك أداء المستحقات بدون تأخير. إن الدولة هي المسؤولة عن حماية ممتلكات الصندوق من كل التلاعبات وعن تأمين استثمار المدخرات في أنشطة اقتصادية مربحة، فالدولة التي عانت طيلة عدة سنين من ارتفاع عدد الموظفين واضطرت إلى إقرار سياسة تنظيم النسل للحد من إشكالية بطالة الشباب هي نفس الدولة التي تطالب اليوم بإقرار نفس الإجراءات التي اعتمدتها دول تعاني من الشيخوخة وسعت باستمرار إلى جلب المستخدمين من الخارج وشجعت على الإنجاب، والتقليد في المعالجة اقتصر على الجوانب التي تضر بمصالح المأجورين، أما باقي الجوانب، وخاصة منها ذات الطابع الاجتماعي كالتعليم، الذي يستحوذ على أكثر من ثلث دخل نسبة هامة من الأسر المغربية، والصحة التي يرتقب، في حالة إقرار مشروع الوزير الوصي الحسين الوردي، أن تحتد المواجهة حولها بين الحكومة من جهة والفاعلين في القطاع ومكونات المجتمع المدني من جهة ثانية، فلا تبدي الحكومة بشأنها أي مقترح عملي يقي من الإخلال بالسلم الاجتماعي.

لقد سبق لعدة تقارير دولية ومغربية، منها ما هو رسمي وما هو مستقل، أن وضعت المغرب في خانة الدول المؤهلة لجذب الاستثمارات الأجنبية، وفضلا عن الاستقرار السياسي النسبي الذي يعتبر أساس هذا التصنيف، فإن باقي المعايير المعتمدة ركزت على الموارد البشرية وعلى المناخ الديمقراطي وعلى الاستقرار الاجتماعي، وكل هذه المؤشرات قابلة للتحول في الاتجاهين الإيجابي والسلبي، فإذا كان اعتماد أجور متدنية، مقارنة مع الأجور المعمول بها في الاتحاد الأوربي، يشجع على ترحيل الاستثمار من أوربا إلى المغرب فإن السطو على مكتسبات المأجورين وذوي الدخل المحدود سيكون على حساب المعيار الاجتماعي الذي كثيرا ما يعتمد في تحديد القرار الاقتصادي والتجاري، وقد سبق لعدة تقارير أن أكدت بأن العمل بنظام الأجور الضعيفة لا يمكنه أن يستمر إلا في ظل توسيع الخدمات الاجتماعية المجانية أو المتدنية الكلفة، وحتى الصين التي كان يضرب بها المثل في اعتماد الأجور الضعيفة كمحفز على الاستثمار، صارت بفعل ارتفاع كلفة المعيشة تعمل بدورها على الرفع من مستوى الأجور، وعلى التوجه أكثر نحو الرفع من كفاءة الموارد البشرية ومردوديتها كمحفز على الاستثمار.

سبق للمغرب أن تبنى سياسة تشجيع الاستثمار في الأنشطة المنتجة لمناصب الشغل وربط هذه السياسة بخيارات استراتيجية حدت من مخاطر انتشار البطالة بفعل المكننة واعتماد التكنولوجيا الحديثة، وكان من نتائج هذا التوجه أن جلب المغرب عدة مستثمرين في مراكز النداء وفي تركيب حزم أسلاك السيارات والطائرات، بل وفي جلب مستثمرين من كل القطاعات، وقد كان لكل هذه الإجراءات الأثر الواضح على توازنات مالية كل من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق المهني المغربي للتقاعد، وبالمقابل فإن عدم الاستمرار في رفع وثيرة إصلاح أنظمة التقاعد في القطاع العمومي والشبه العمومي تزامن مع ضعف الاستثمار العمومي في القطاعات المنتجة للشغل ومع سياسة تجميد الأجور، وكان من الطبيعي أن يتفاقم عجز الصناديق التي تقلصت فيها نسبة المنخرطين النشيطين مقارنة مع عدد المحالين على المعاش وذوي الحقوق، فرغم أن اعتماد أجور ضعيفة في القطاع العمومي والشبه العمومي ساهم في تقليص القيمة الإجمالية للمعاشات، إذ أن نسبة كبيرة منها تقل بكثير عن الحد الأدنى للأجور، بل إن منها ما يقل بكثير عن 1000 درهم في الشهر التي وعد رئيس الحكومة ابن كيران بتعميمها لتشمل حتى الأرامل، فإن معالجة ملف صناديق التقاعد لا تقل أهمية عن معالجة مشاكل التعليم والصحة والسكن، فالأمر لا يهم فقط العجزة الذين صاروا يفتقرون أيضا إلى التضامن العائلي وإلى غياب مؤسسات اجتماعية تؤمن لهم العيش الكريم، ولكنه يهم السكان النشيطين الذين التحقوا حديثا بسوق الشغل، فهذه الفئة التي يطلب منها أن تضحي وتشتغل حتى بلوغ سن 62 سنة ويطلب منها كذلك أن تساهم بقسط أكبر في الصناديق هي نفس الفئات التي تجد نفسها تواجه باستمرار ارتفاع كلفة تعليم أبنائها وارتفاع كلفة السكن وتواجه غلاء المعيشة بينما أجورها الضعيفة جامدة أو راكدة واستقرارها في مواقع الشغل مهدد باستمرار بفعل عدم مسايرة الاستثمار في الأنشطة التي توفر مناصب الشغل للنمو الديمغرافي وبفعل تحول نمط العيش، فالاستثمار في صناديق التقاعد هو استثمار في الأمد الطويل، والانخراط في هذا الصنف من الاستثمار يحتاج بالضرورة إلى مناخ تسوده الثقة والاطمئنان، وهذا هو الحل المطلوب.