محمد مونشيح

                                        

يبدو أن المغرب في الوقت الراهن قد وضع تحت مجهر التمحيص الدولي إلى أجل غير مسمى، من قبل التكتلات الدولية ( الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي )، وأضحى نقطة مهمة ضمن أجندة مجموعة من المنظمات الدولية غير الحكومية ( هيومن رايت ووتش، مركز روبرت كيندي، منظمة العفو الدولية ...) ومحور جذب للدبلوماسية الدولية الموازية المناوئة ( برلمانات، أحزاب، جمعيات...)، لمتابعة أوضاع حقوق الإنسان في منطقة الصحراء باعتبارها تعرف "غموضا "، على خلفية نزاع لم يراوح مكانه، سيما وأنه يدخل ضمن ما يسمى بالقضايا المجمدة أو المنسية مند أمد ليس بالقصير.

وبناء على ذلك، وضعت آليات المغرب الوطنية التي تعنى بقضايا حقوق الإنسان على المحك، فهل أصبحت إمكانية تجاوزها فرضية محتملة لتحل محلها آليات دولية، ما لم تقم بتدارك ومسايرة ما يعتمل في المنطقة، بل وفي التجديدات المنهجية الدائرة في العلاقات الدولية وضمنها حقوق الإنسان باعتبارها القاسم المشترك بين الدول، أو انتظار وقوع بعض التململ على المستوى التفاوضي ؟

 أم أن موقف المغرب سيظل صامدا الى آخر رمق في فرض مؤسساته الوطنية باعتبارها الكفيلة بذلك (راجع نص الخطاب الملكي بمناسبة المسيرة الخضراء بتاريخ 2013 /11/ 06 ) وبالتالي فإنها تقوم بالمتعين عندما يتطلب الوضع ذلك وبشكل تلقائي ؟  

لم يسبق أن عرف المغرب ضغطا بهذا الحجم، وتصميما من قبل هؤلاء الفاعلين الدولتيين وغير الدولتيين بهذا الشكل، إذ أصبح أكثر من أي وقت مضى مطالبا بإنجاز استحقاقات وتقديم توضيحات وإجابات بشكل متوالي على تقارير المنظمات الدولية، والتوصيات الأممية، والتكتلات الدولية، التي ظلت قراراتها مكلفة سياديا واقتصاديا ودوليا، وتضع التزام المغرب المعلن بحقوق الإنسان موضع تساؤل دائم.

لقد تلقفت الجزائر ومن خلفها جبهة البوليساريو الورقة الحقوقية بشكل ذكي، واستطاعت عبر هذه الأخيرة اختراق قاعات التفاوض المغلقة وجعلها ضمن أجندة مجلس الأمن، بل ومبادرة أحد أعضائه الدائمين ( الولايات المتحدة الأمريكية ) باقتراح توسيع مهام " المينورسو "  لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية ومخيمات تندوف، للضغط على المغرب الذي أصبح يؤدي ثمن بعض أخطاء تدبيره الأمني ( واقعة إيكديم إيزيك، طرد أمينتو حيدر).

في المقابل يدفع المغرب بخطابات السيادة للاحتماء والاحتجاج، والثقة في فعالية ميكانيزماته الوطنية والجهوية بدون مركبات نقص ودونما تمييز بين الشمال والجنوب، مراهنا على قدرة المواطنين في الدفاع عن حقوقهم بإرادتهم دون تدخل من الخارج، وفي نفس الوقت التعاطي الإيجابي مع كل الأجهزة الأممية في هذا المجال، مع الاعتزاز بمسار إنجازاته ورفض أنماط التوظيف الانتقائي لمنظومة حقوق الإنسان...

أكيد أن القادم من الأيام، بخصوص حقوق الإنسان في الصحراء المغربية، سيكون مليئا بالأحداث المتسارعة ، وفي نفس الوقت مختبرا للنقاشات الدائرة حول حقوق الإنسان بين الوطني والدولي، لذلك فالآليات الوطنية وعلى رأسها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في الوقت الحالي، تواجهها تحديات حقيقية، فهل ستعدل من برنامجها العادي، هذا إذا لم تقم بتغيير جذري لأولوياتها، وفي نفس الوقت، أن تحافظ على حتمية نشاطها في ترويج وحماية حقوق الإنسان، خاصة وأن هذه الأخيرة موضوع تبادل للاتهامات ؟

لقد شرعت الجزائر وصنيعتها البوليزاريو في جني ثمار تسويق فئات من الجيل الصحراوي الجديد المكون من شباب ما بعد المسيرة الخضراء، لخطاب سياسي وهوياتي جديد، قوامه الشرعية الدولية ومبادئ حقوق الإنسان، ويطرح المشكل وكأنه قائم بين دولة " سلطوية " لها ماضي قمعي وحاضر متقلب، من جهة  وبين " شعب  مستعمر " وله مطالب يعتمد فيها على المشروعية الدولية من جهة أخرى. في حين نجد من يرى في الطرف الآخر، المتمثل في رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان السابق ( أحمد حرزني )، أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد استغلال لحقوق الإنسان بشكل فج دون إيمان بها ولأهداف مشبوهة، إذ كيف لبلد محتل أن يطالب باحترام حقوق الإنسان، لأن المغاربة عندما كانوا يواجهون الاستعمار الفرنسي لم يطالبوه باحترام حقوق الإنسان بل بالرحيل...؟ ويضيف، في موضع آخر، الأمين العام الحالي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان (محمد الصبار) أن الحالات، كما تدعي منظمات دولية، التي تشهد انتهاكات لحقوق الإنسان في الصحراء تشهد مثلها في شمال المغرب...وليست ممارسة منهجية ...وأن الصحراء ليست استثناء.

إنه خطاب محكوم بمنطق الدفاع ومشوب بالانفعال نتيجة مشادات كلامية لدرجة التلويح بمغربية الصحراء حتى السقوط في الشوفينية أو التخوين والتفتيش في النوايا، وبعيدا عن " التزام المناضل وواجب المسؤولية "، والتدرع بمبررات لا تمت لحقوق الإنسان بأية صلة، من قبيل أن القمع  في المغرب يوزع على قدم المساواة، لا مجال فيه للتمييز لاعتبارات جغرافية أو اثنية...! وكأنه مكسب على الجميع أن يعتز به.

في حين نجحت بعض الوجوه من الجيل الصحراوي الجديد الداعمة للطرح الانفصالي من فرض نفسها بشكل كبير، وحازت على تقدير واعتراف من الخارج تمثل في حصول بعضهم على جوائز ( أمينتو حيدر )، لتبنيها خطابا غير عنيف، ولكونها لم يسبق لها أن تبنت العنف أو كل ما له شبهة الإرهاب، بل على العكس من ذلك ركزت على الشرعية والكونية واللاعنف، أي تم نسج خطاب يحظى بجاذبيته عند الغرب، لقد دافعت عن أطروحة لا سلام ولا اتفاق سياسي بدون الاهتمام بحقوق الإنسان وتعويض الضحايا، وقد كان لهذا التحول نتائج لم يكن يحلم بها حتى الشيوخ المؤسسون  ل" جبهة البوليساريو " أنفسهم.   

لقد سبق للملك الراحل الحسن الثاني أن اعترف أمام قادة الجبهة الذين جاؤوا للقائه بمراكش، بأن المغرب كسب الأرض، أي أرض الصحراء لكنه لم يكسب قلوب أهلها، منذ ذلك الوقت والمغرب لم يستطع التخلص من الخطاب المغلق أو التقليداني المغرق في الخصوصية ، غير عابئ بتوظيف مرجعية القانون الدولي أو حجية الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل مازال يمتح من معجم البيعة والولاء والانتماء التاريخي ...الأمر الذي صعب على المغرب إيجاد مخاطبين متفهمين، وأثر سلبا على صورة المغرب الرسمي الحقوقي دوليا، لأنه لم يستطع لحدود الآن القيام بدبلوماسية حقوق الإنسان والقانون، وتجاوز الأطروحات السهلة المتجاوزة بفعل المتغيرات الدولية، لمواجهة التوصيات الدولية وغير الدولية التي بدأت تأخذ صيغة الأمر، وتتحول إلى مجالات لمحاكمة الآليات الوطنية المهتمة بحقوق الإنسان.

إن المجلس الوطني لحقوق الإنسان أمام جيل جديد أعاد تحديد وتجديد هويته السياسية باعتماده على معجم حقوقي وكوني بامتياز، بعيدا عن المقاربة السياسية الصرفة، فهل سيساير هذه التطورات، سيما وأنها من صميم اختصاصاته ومهامه، وسيذهب في اتجاه المزيد من الأنسنة وتوسيع دوائرها، انطلاقا من أطروحة أن ما قام به المغرب فيما سبق ليس إلا دورة من دورات تعلم الديموقراطية، وأن هناك إمكانية لتحقيق عملية " التغيير الذاتي " دونما حاجة للضغط من الخارج ؟ أم أنه سيكشف عن حقيقة طبيعته التمويهية والمخادعة التاوية خلف عملية التأسيس حسب أطروحة أخرى، والتي ستصل إلى الباب المسدود لأن عمر التمويه يزداد تعقيدا إذا لم يكن مصحوبا بإنجازات فعلية، في الوقت الذي حوصرت الدولة دوليا في لجوئها إلى استعمال العنف كوسيلة لمنع عودة الوعي وشيطنة الآخر، كلما فقد التمويه فعاليته ؟

إنها ليست المرة الأولى التي يخضع فيها المغرب لضغوطات خارجية لكي يقدم على القيام بإصلاحات. وقد اتخدت بعض التقارير الدولية، يرى البعض، طابعا شبه مقدس في المغرب خصوصا بعد سماح الملك الراحل الحسن الثاني بنشر وإشاعة التقرير المعروف بتقرير" السكتة القلبية ". كما أن هناك من اعتبر أن تأسيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان في صيغته الأولى لا يخرج عن هذا السياق، وأن مجمل ما قام به من تنازلات في هذا الباب كانت نتيجة مباشرة لها، وما التناقض الكبير الذي وقع فيه المجلس إبان محاكمة مدنيين على خلفية واقعة " إكديم إيزيك " ( شهر نوفمبر 2010 ) إلا مؤشرا قويا على ذلك، فمن موقف المرتاح لمجريات المحاكمة  والإشادة  بها، إلى رفع تقرير إلى الملك محمد السادس يوصي فيه بإلغاء محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، وهو تحول ب 180 درجة لم يكن ليقع، يرى أحد المتتبعين، لولم يخضع لضغوطات المنظمات الحقوقية الدولية التي عبرت عن انتقادها الشديد لمحاكمة مدنيين أمام محاكم عسكرية، وخصوصا وأن هاجس المحاكمة العادلة احتل حيزا مهما في تقارير هذه المنظمات، كما رأى آخرون أن هذا التحول قد تكون له علاقة مع التقرير الذي كان قد من المزمع تقديمه من قبل المقرر الخاص بالتعذيب، لتمريره حول أوضاع حقوق الإنسان في المغرب.

 " ثم إذا كانت هذه المحكمة استثنائية ولا تتطابق ومعايير المحاكمة العادلة، فإن أحكامها ستكون كذلك: استثنائية وغير عادلة...فهل ستتم مراجعتها ؟".

يحاول المجلس الوطني لحقوق الإنسان بعدما أصبح في واجهة المغرب الحقوقية، ومتصدرا قضاياه في التعاطي مع أوضاع حقوق الإنسان سواء في الشمال والجنوب، القيام ببعض التحركات وإن جاءت متأخرة مرة أخرى، من قبيل توجيه دعوته إلى الدولة المغربية بمنح تصاريح لتأسيس جمعيات (بما فيها تلك التي لها منحى انفصاليا ) تتوفر على كل شروط التأسيس، على أساس أنه موقف مبدئي للمجلس، لكن ما الذي كان ينتظره هذا الأخير كل هذا الوقت مادام موقفه موقفا مبدئيا ؟ وكيف لا والمغرب الذي يريد أن يمنح الصحراويين حكما ذاتيا يقمع، في نفس الوقت، من لا يتفق مع هذا الطرح، ثم كيف يمكن أن تكون هذه الجمعيات مخاطبا رئيسيا للمبعوث الرسمي للأمم المتحدة ومختلف المنظمات الدولية والوفود الزائرة ولا تحظى في نفس الوقت باعتراف قانوني ؟

 لقد حان الوقت للمجلس أن يبلور خطة لا تخضع بالأساس للمقاربة المجالية الأمنية، حتى لا يجد نفسه في الركن أو خارج السياق، وأن لا يكتفي بالتفرج والمتابعة أو التعليق...