2 - الهجرة، الأب، العاصمة، الانقلاب ولغة التواصل...

بقلم: عبدالحق الريكي

تحدثت في الجزء الأول من مقالي، حول "سنواتي الأولى بالمدرسة"، عن هجرتي سنة 1972، من مدينة الحسيمة والتحاقي مع أفراد عائلتي إلى عاصمة المغرب، الرباط، حيث استطاع أبي الحصول على عمل "شاوش" ببنك المغرب وكان إخوتي الكبار على وشك ولوج الجامعة التي كانت متمركزة أساسا بالرباط... في هذه المدينة سأحصل على شهادة البكالوريا، شعبة العلوم الرياضية، بعد سنوات من الجد والعمل مرورا بكوليج "يعقوب المنصور" وأيضا ليسي "كورو" أو "الحسن الثاني" ومن بعده ثانوية "مولاي يوسف" التي انخرطت فيها في النضال التلاميذي وتعلمت أبجديات العمل السياسي.

سنوات دراستي الثانوية، خلال السبعينيات من القرن الماضي بالرباط، فيها الكثير من الذكريات لطفل من أسرة متواضعة، آت من جبال الريف، كان لزاما عليه التأقلم مع مدينة جديدة والاحتكاك بتلاميذ أحسن الثانويات في ذلك الوقت... وأقول لجيل الشباب، وخاصة الفقراء منهم والموجودين في المناطق القروية والنائية، إن الطموح والحلم والاجتهاد والعزيمة قادرين على أن يقهروا كل العقبات حتى تتمكنوا من تبوأ أعلى المناصب والدرجات، ليس بالمغرب فحسب بل في كل دول العالم... فلا تخافوا من الهجرة بل اسعوا لها كما فعل أجدادنا وآباؤنا...

اسمحوا لي قبل أن أتحدث عن سنوات الدراسة بالرباط في سبعينيات القرن الماضي، أن أنحني إجلالا وتقديرا لأبي – رحمه الله – الذي فكر ودبر وعزم الأمر على الهجرة إلى الجنوب عكس كل أقرانه الذين كانت وجهة هجرتهم إلى أوربا... أبي، العامل بأوراش مندوبية وزارة التجهيز بإقليم الحسيمة، قرر شتاء 1972 البحث عن عمل بعاصمة المغرب والاستقرار بها حتى يتمكن أطفاله من الدراسة بأحسن الثانويات وولوج الجامعة بالرباط.

وحتى أكون منصفا فهذه الفكرة أُوحِيَتْ له من طرف الحارس العام لثانوية الباديسي بالحسيمة السيد "دون ليون"، اليهودي المغربي. فعزم أبي وتوكل على الله... أعتقد أن قرار هجرته إلى العاصمة كان شجاعا وصائبا حيث غيَّر مجرى حياة عائلته وأفرادها... لقد استطاع أبي أن يحقق طموحاته في اقتناء منزل بالرباط وسيارة رونو 12 جديدة، أتحدث هنا عن سبعينيات القرن الماضي، وتوفير أحسن شروط التعليم لأولاده وبناته. رحمك الله ورحم كل آبائنا وأجدادنا الأبرار...

التحق أبي بالرباط في ربيع 1972 واستقر بمنزل صغير بديور الجامع وبدأ في البحث عن منزل يأوي عائلته صيف ذاك العام بعد نهاية دراستنا بالحسيمة... لقد ساعده أصدقاءه الشواش الطيبين ببنك المغرب على كراء منزل وسط الرباط وبثمن مناسب، ومن محاسن الصدف أن هذا البيت كان يطل على أحد الشوارع التي تحمل اسم المدينة التي تركتها بألم وهي الحسيمة، ويوجد بالقرب من المقهى الشهير "جور إينوي" القريب جدا من ثانويتي الجديدة كوليج يعقوب المنصور وكان هذا الحي آهلا باليهود المغاربة...

كيف كان طفل في سنه الثاني عشر يتخيل العاصمة الرباط وهو الذي لم يشاهدها من قبل؟ الحقيقة أني كنت أتصورها كعاصمة إسبانيا، مدريد، التي كنا في الحسيمة نعرفها ونعرف إسبانيا أكثر من معرفتنا للمغرب وللرباط، لسبب بسيط هو كوننا لم نكن نشاهد التلفزة المغربية بمدينة الحسيمة. القناة التلفزيونية الوحيدة المتوفرة كانت القناة الأولى الإسبانية حيث مباريات البطولة الإسبانية والأفلام والمسلسلات وبطبيعة الحال أخبار وخطب فرانكو... كنت وأنا طفلا أتصور الرباط على شاكلة مدريد، بنايات شاهقة، محلات تجارية كبرى، مقاهي ومطاعم وأناس يلبسون ثيابا جميلة... وأنا سأصبح مثلهم في العاصمة، الرباط... كانت دهشتي قوية حين وصولي إلى مدينة الرباط وبالضبط ساحة "باب الأحد" حيث كانت توجد محطة المسافرين وهي مليئة بالعربات المجرورة بالحمير كوسائل نقل المواطنين والأمتعة...

وبعد اكتشافي لأزقة وأحياء الرباط، بدت لي عاصمة المغرب مختلفة بطبيعة الحال عن مدريد، جميلة بمعمارها الفرنسي وشوارعها الفسيحة وحدائقها الكثيرة ومطاعمها ومقاهيها ومسرحها الوطني وقاعات السينما ومعاهدها الثقافية وطيبوبة أهاليها الرباطيين مسلمين ويهود وتجارها السوسيين... مدينة شاطئية، يفصلها عن مدينة "سلا" نهر أبي رقراق، بصومعتها التاريخية حسان ومآثرها "الأوداية" و"شالة" والقصر الملكي الذي كان شارعه الأساسي مفتوحا لعموم المواطنين مغاربة كانوا أو أجانب للتجول فيه...

كدت أن أنسى التطرق لموضوعي حول سنوات الدراسة والثانوي بالرباط في سبعينيات القرن الماضي... لكن لم تكن قد بدأت الدراسة بعد ونحن في صيف 1972. أتعرفون ماذا وقع خلال ذلك الصيف؟ أتحدث هنا عن الانقلاب العسكري الثاني حيث باغتتني الطائرات العسكرية وهي تحلق فوق القصر الملكي، بوجودي أمام باب الرواح المحادي للقصر، لم أكن أعرف ماذا يقع فهرولت تجاه شارع محمد الخامس حتى مدخل "السويقة" ولا أدري لماذا أخذت هذا الاتجاه عوض الذهاب مباشرة إلى منزل عائلتي ب"جور إينوي". كان الكل يهرول في كل الاتجاهات وما زالت الصورة واضحة أمام عيني حين وصولي إلى مدخل "السويقة" وإذا ببعض رجال الأمن يخرجون من مركز للبوليس ما زال موجودا إلى يومنا هذا بسلاحهم دون أن يعرفوا لمن يوجهونه نحوه.

حينها تيقنت أن أمورا خطيرة تقع بالرباط وقررت الهرولة مع المواطنين في اتجاه منزل العائلة حافي القدمين بعد ضياع "صندلة ميكا"، وجدت أبي وأمي يبحثان عني إذ كنت الفرد الوحيد من العائلة الموجود خارج المنزل... كان الرعب والخوف السمات البارزة في الشارع وفي البيت... كان الكل يتتبع مختلف قنوات الراديو بحثا عن الخبر اليقين... كان أبي، الجندي السابق بالقوات المسلحة الملكية، لا يهتم مطلقا بالسياسة وكنت أحيانا كثيرة أتجرأ في معارضة آرائه حيث أصبحت مع مرور السنين تلميذا قائدا للإضرابات ومناضلا ثوريا....

فشل الانقلاب وعادت الأمور إلى مجاريها الطبيعية والتحقت مع الدخول المدرسي بكوليج يعقوب المنصور حيث سأقضي سنتين بها قبل أن ألتحق بثانوية الحسن الثاني وأخيرا مولاي يوسف حيث سأحصل على شهادة البكالوريا. كل التلاميذ الذين يضطرون لتغيير أماكن الدراسة يعانون مشاكل التأقلم مع وجوه جديدة ويتألمون لفراق الأصحاب والأصدقاء... وما بالكم بي، أنا الذي ترك مدينة وثانوية وأصدقاء ورحل إلى مدينة وعالم جديدين. أول مشكل تعرضت له كان لغة التواصل... كنت أتحدث بدارجة الشمال "الجبلية التطوانية" التي كانت وما زالت تختلف عن لهجة أهل الرباط، وكلكم تعرفون الفرق ما بين مناداة شاب ب"العَاِيلْ" و"الدِّرِي"...

هكذا كنت كلما أتوجه إلى تلميذ رباطي ب"العَاِيْل" تبدأ القهقهات... لم تكن بنية سيئة بل لعدم التعود على سماع كلام "الجبالة"... أما حين نطقت يوما داخل القسم بأنه يجب إصلاح  "البُومْبِيَة" وأنا أتحدث عن المصباح الكهربائي تعالت القهقهات في كل أرجاء القسم كون كلمة "البُومْبِيَة" كانت تطلق هنا بالرباط ونواحي أخرى على رجال المطافئ وهي كلمة مشتقة من الفرنسية  "Pompiers" وزد على ذلك أيضا حين كنت أتحدث عن "لاَطَا دْيَالْ شِيشَارُو" قاصدا علبة البازلاء المعروفة عند العامة بالجلبانة...

كانت المرة الثانية التي يقع لي فيها مشكل التواصل مع التلاميذ، الأولى كانت حين هاجرت من مدينة تطوان حيث الدارجة المستعملة هي "الجِبْلِيَة" إلى مدينة الحسيمة حيث الجميع يتحدث "الرِيفِية" الأمازيغية والهجرة الثانية إلى الرباط حيث الدارجة خليط من "الرباطية" المورسكية و"العروبية"... كان الأمر سهلا نوعا ما في الحسيمة حيث "الجبلية" دارجة سائدة وغير غريبة، أما بالرباط فالمسألة كانت مختلفة تماما والنتيجة كانت صيامي عن الكلام لمدة شهور عديدة حتى أتمكن من استيعاب والتحدث بالدارجة الرباطية... كان الأمر شاقا لكنه كان في نفس الوقت مفيدا حيث تعلمت حينها قدرة السماع والإنصات والتعلم بسرعة لغة دارجة ستصبح وسيلتي في العيش داخل مدينتي الجديدة الرباط لسنوات طوال.